الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٠٢
وأمّا تقسيم الآية في الذيل: فمنهم ظالم ومنهم مقتصد ومنهم سابق، فالضمير عائد إلى (عبادنا) أنّهم منقسمون إلى ثلاث فئات، بخلاف التوريث ; فإنّه قد خُصّ بـ (المصطفين)، نعم قد عُرّف المصطفون بأنّهم بعض من عبادنا، و(من) للتبعيض هنا لا بيانية، ويدلُّ على كون التوريث من سنخ العلم اللدني الغيبي ذكر (السابق بالخيرات)، فإنّه عُرّف في سورة الواقعة بالمقرَّب، وعُرّف المقرَّب في سورة المطفّفين بأنّه يشهد الأعمال وكتاب الأبرار، وهو قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الاَْبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}[١]، فالسابق هو المقرّب وهو الشاهد على أعمال الأبرار، فهو مهيمن على مقام العلّيين الذي يُدوّن فيه كتاب الأبرار، وهو مقام غيبي، وهو الذي أُصطفيَ وورث الكتاب بوراثة لدنية، وقد تقدّم في الطائفة الثالثة أنّ الذي عنده علم الكتاب يحيط بالكتاب المبين الذي يستطرّ فيه كلّ شيء ومنها أعمال الأبرار.
محصّل مفاد الآية[٢]: إنّ السابق هو الذي اصطُفي من العباد، والعباد ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم ومقتصد وسابق بالخيرات.
أما الآية الأولى[٣] فهي دالّة على أنّ المفزع والمصدر في الأُمور هو الرسول وأُولي الأمر، وأنّ الواجب على المسلمين إذا انتابهم أمر يمسّ حياتهم الاجتماعية الرجوع والردّ إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) وأولي الأمر للبتّ في شأنه ; وذلك لإحاطة تلك الثلّة باستنباط واستخراج ما هو الحقّ في تدبير ما ألمّ بهم من أمر.
فالآية دالّة على أنّ تدبير الرسول (صلى الله عليه وآله) وأُولي الأمر ليس اجتهادياً ولا ظنّياً كما
[١] سورة المطففين ٨٣: ١٨ ـ ٢١.
[٢] وهي قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير).
[٣] سورة النساء ٤: ٨٣.