سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٩ - تنبيهان
الباب التاسع في تكثيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) طعام جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما
روى الإمام أحمد و البخاري و الإسماعيليّ و البيهقي عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال: كنا يوم الخندق مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فعرضت كدية شديدة فجاؤوا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقالوا: هذه كدية من الجبل عرضت فقال: «أنا نازل» ثم قام و بطنه معصوب بحجر و لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) المعول فضرب فعادت كثيبا مهيلا. فقلت: يا رسول اللّه، ائذن لي إلى البيت، فأذن لي فقلت لامرأتي: إني رأيت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خمصا شديدا ما في ذلك صبر فعندك شيء؟ فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير و لنا عناق فذبحتها و طحنت ففرغت إلى فراغي و قطعتها في برمتها و العجين قد انكسر و البرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج ثم وليت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: لا تفضحني برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بمن معه، فجئته فساررته فقلت: اطعم لي فقم أنت يا رسول اللّه و رجل أو رجلان قال: «كم هو؟» فذكرت له، قال: «كثير طيب»، قل لها: لا تنزع البرمة و الخبز من التّنّور حتى آتيكم و استعر صحافا» ثم صاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «يا أهل الخندق إن جابرا صنع لكم سؤرا فحيهلا بكم»، فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلّا اللّه عز و جل فجئت و جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقدم الناس حتى جئت امرأتي فقلت: و يحك جاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمهاجرين و الأنصار و من معهم فقالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقالت: اللّه و رسوله أعلم، قال: فكشفت عنّي غمّا شديدا، فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «ادخلوا و لا تضاغطوا فأخرجت له عجينا فبصق فيه و بارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها و بارك ثم قال: «يا جابر، ادع خبازة فلتخبز معك و اقدح من برمتكم و لا تنزلوها» و جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يبرد و يغرف اللحم و يخمر هذا و يخمر هذا فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين و يعود التنور و القدر أملأ ما كانا فكلما فرغ قوم جاء قوم حتى صدر أهل الخندق و هم ألف حتى تركوه، و انحرفوا و إن برمتنا لتغطّ كما هي، و إن عجيننا ليختبز كما هو ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «كلي و أهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة» فلم نزل نأكل و نهدي يومنا [١].
تنبيهان
الأول: و قوله «و هم ألف» كذا في الصحيح و في غيره تسعمائة أو ثمانمائة أو ثلاثمائة، قال الحافظ و الحكم الزائد لمزيد علمه و لأن القصة متحدة.
[١] أخرجه البخاري ٧/ ٣٩٥ و البغوي في الشرح ١٤/ ٥ و ابن كثير في البداية ٤/ ٩٧.