سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٢٤ - الباب الثاني في إعجاز القرآن و اعتراف مشركي قريش بإعجازه، و أنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، و من أسلم لذلك
و أبيض الدّرع من شؤم راحته* * * من بعد إرساله رسل منه منهل
برئت من دين قوم لا قوام له* * * عقولهم من وقاف الفيّ في عقل
يستخبرون فتى الغيب من حجر* * * صلد و يرجون غوث النّصر من هبل
الأولى: اختلف في قدر المعجزة من القرآن فذهبت بعض المعتزلة إلى أنّه يتعلق بجميع القرآن، و الآيتان السابقتان تردّه.
و قال القاضي أبو بكر: يتعلق الإعجاز بسورة طويلة كانت أو قصيرة، تشبثا بظاهر قوله:
«بسورة».
و قال في موضع آخر: يتعلّق بسورة أو قدرها من الكلام، بحيث يتبين فيه تفاضل قوى البلاغة.
قال: فإذا كانت آية بقدر حرف سورة، و إن كانت سورة كسورة الكوثر، فذلك معجز قال: و لم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقلّ من هذا القدر.
قال قوم: لا يحصل الإعجاز بآية بل يشترط الآيات الكثيرة.
و قال آخرون: يتعلق بقليل القرآن و كثيره لقوله تعالى فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [الطور/ ٣٤] قال القاضي أبو بكر: و لا دلالة في الآية، لأنّ الحديث التامّ لا يتحصل حكايته في أقلّ من كلمات سورة قصيرة.
الثانية: اختلف في أنّه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة.
قال القاضي: فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعريّ إلى أنّ ظهور ذلك على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعلم ضرورة و كونه معجزا يعلم بالاستدلال، قال: و الذي تقوله: أن الأعجميّ لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، و كذلك من ليس ببليغ، فأمّا البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العرب، و غرائب الصّنعة، فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه و عجز غيره عن الإتيان بمثله.
الثالثة: اختلف في تفاوت القرآن في مراتب الفصاحة، بعد اتفاقهم على أنّه في أعلى مراتب البلاغة بحيث لا يوجد في التراكيب ما هو أشدّ تناسبا و لا اعتدالا في إفادة ذلك المعنى منه، فاختار القاضي المنع، و أن كلّ كلمة فيه موصوفة بالذّروة العليا، و إن كان بعض النّاس أحسن إحساسا له من بعض، و اختار أبو النصر القشيري و غيره التّفاوت، فقال: لا ندّعي أن كلّ ما في القرآن على أرفع الدّرجات في الفصاحة و كذا قال غيره: في القرآن الأفصح و الفصيح، و إلى هذا نحا الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثم أورد سؤالا، و هو أنه لم يأت القرآن جميعه