سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٢٢ - الباب الثاني في إعجاز القرآن و اعتراف مشركي قريش بإعجازه، و أنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، و من أسلم لذلك
سفينة غصبا» أي سفينة صالحة و غير ذلك مما استدل عليه من وجوه الإعجاز، و بلاغته الخارقة لعادة العرب في عجائب تراكيبهم و منها صورة نظمة العجيب، و الأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب، و منهاج نظمها و نثرها، الذي جاء عليه و وقفت عليه مقاطع آياته، و انتهت إليه فواصل كلماته، و لم يوجد قبله و لا بعده نظير له، و منها: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغّيبات، و ما لم يكن موجودا فوجد كما ورد.
و منها إنباؤه عن أخبار القرون الماضية و الأمم البائدة و الشرائع السالفة ما كان لا يعلم منه القصّة الواحدة إلا الفذّ من أخبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلّم ذلك، فيورده سيّدنا محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) على وجهه، و يأتي به على نصّه، و هو أمّيّ لا يقرأ و لا يكتب.
و منها: ما تضمّنه عن الأخبار بالضمائر كقوله تعالى إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ [آل عمران/ ١٢٢] و قوله: يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ [المجادلة: ٨].
و منها آي وردت بتعجيز قوم في قضايا و إعلامهم أنّهم لا يفعلونها، فما فعلوا، و لا قدروا على ذلك كقوله في اليهود: وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة/ ٩٥].
و منها ترك المعارضة مع توفّر الدواعي و شدة الحاجة.
و منها: الرّوعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم و الهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، كما وقع لجبير بن مطعم أنّه سمع النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقرأ في المغرب و الطور، فلما بلغ هذه الآية أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ إلى قوله الْمُصَيْطِرُونَ [الطور/ ٣٥- ٣٧] كاد قلبي [....] أن يطير، قال: و ذلك أوّل ما وقر الإسلام في قلبي، و قد سمع غير واحد آيات منه، فمات لوقته، و ألّف بعضهم كتابا فيمن قتله القرآن.
و منها: أن قارئه لا يملّه، و سامعه لا يمجّه، بل الإكباب على تلاوته، يزيده حلاوة، و ترديده يوجب له محبّة و غيره من الكلام يعادى إذا أعيد، و يملّ مع الترديد، و لهذا وصف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) القرآن بأنّه لا يخلق على كثرة «الترداد».
و منها: كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدّنيا مع تكفّل اللّه عز و جل بحفظه، و منها جمعه لعلوم و معارف لم يجمعها كتاب من الكتب، و لا أحاط بعلمها أحد، في كلمات قليلة، و أحرف معدودة.
و منها جمعه بين صفتي الجزالة و العذوبة، و هما كالمتضادين لا يجتمعان في كلام البشر غالبا.
و منها جعله آخر الكتب غنيّا عن غيره، و جعل غيره من الكتب قد يحتاج إليه كما قال