سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٠٨ - الفصل الرابع
القرآن لا يحصى عدد معجزاته بألف و لا ألفين و لا أكثر لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد تحدى بسورة منه فعجزوا عنها قال أهل العلم: و أقصر سور القرآن إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر/ ١] لأنها ثلاث آيات حروفها أقل من حروف آيات سورة هي ثلاث مثل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص/ ١] و كل آية منه طويلة بعدد آياتها كلمات و حروفا أو آيات منه بعددها آيات و حروفا كلمات معجزة لا تتعارض موازاة و مداناة ثم في سورة الكوثر نفسها معجزات على ما سنفصله فيما اشتمل عليه القرآن من المعجزات التي فاقت الحصر.
الفصل الرابع
قال القاضي- (رحمه اللّه تعالى)- أيضا: معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) على قسمين.
الأول: ما علم قطعا، و نقل إلينا متواترا كالقرآن فلا مرية و لا خلاف في مجيء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) به و ظهوره من قبله و استدلاله به على ثبوت نبوته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كونه رسولا إلى الناس كافّة و نحو ذلك، و إن أنكر مجيئه به و ظهوره من قبله و استدلاله به معاند حائر عن منهج القصد باغ يردّ الحق مع علمه جاحد له منكر، فإنكاره كإنكاره وجود محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الدنيا، و إنما جاء اعتراض الجاحدين في كونه حجة (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما ورد في كونه كلام اللّه إذ قالوا: «أساطير الأوّلين» «ما أنزل على بشر من شيء» «هذا سحر مبين» فالقرآن في نفسه و جميع ما تضمنه من معجز معلوم ضرورة، و كما شهدت به الأعداء كالوليد بن المغيرة، إذ قال حين تلي عليه منه: إنّ له لحلاوة و إنّ عليه لطلاوة، و إنّ أسفله مغدق، و إن أعلاه لمثمر، و ما هو من كلام البشر. و وجه إعجازه معلوم ضرورة بجزالة لفظه، و فخامة تأليفه، و بلوغه أقصى درجات مراتب البلاغة و الفصاحة و حسن التئام كلماته و نظم آياته و براعة إيجازه و غرابة فنونه و فصاحة وجوه فواتحه و خواتمه، فلا يحتاج العلم به إلى دليل.
قال بعض الأئمة- رحمهم اللّه تعالى-: و يجري هذا القسم من معجزاته الذي علم قطعا و نقل إلينا متواترا أنه قد جرى على يديه (صلّى اللّه عليه و سلّم) آيات و خوارق عادات إن لم يبلغ واحد منها معيّنا القطع فيبلغه جميعها، فلا مرية في جريان جميع معانيها على يديه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ناطقة بصدقه شاهدة بنبوته، و لا يختلف مؤمن و لا كافر أنه قد جرت على يديه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عجائب، و إنما صدر خلاف المعاند في كون العجائب فائضة من قبل اللّه تعالى من حيث إن ذلك المعجز مع التّحدّي من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمثابة قوله تعالى: يا عبدي، صدقت فيما تدّعيه من الرّسالة! فقد علم وقوع مثل هذا من نبينا (صلّى اللّه عليه و سلّم) ضرورة لاتّفاق معانيها في كونها خوارق عادات مفحم من تصدّى لمعارضتها كما يعلم ضرورة جود حاتم الطائي و شجاعة عنترة العبسي و حلم أحنف بن قيس- رضي اللّه تعالى عنه- لاتّفاق الأخبار الواردة عن كل واحد منهم على كرم