سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٧ - الثالث في قبوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عذر من اعتذر إليه
فرجعت و لم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى أسرعوا و تفارط الغزو. فهممت أن أرتحل فأدركهم. فيا ليتني فعلت. ثمّ لم يقدّر ذلك لي. فطفقت، إذا خرجت في النّاس، بعد خروج رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، يحزنني أنّي لا أرى لي أسوة. إلّا رجلا مغموصا عليه في النّفاق. أو رجلا ممّن عذر اللَّه من الضعفاء.
و لم يذكرني رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى بلغ تبوكا فقال و هو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟» قال رجل من بني سلمة: يا رسول اللَّه! حبسه برداه و النّظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت. و اللَّه! يا رسول اللَّه! ما علمنا عليه إلّا خيرا. فسكت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيّضا يزول به السّراب فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كن أبا خيثمة» فإذا هو أبو خيثمة الأنصاريّ.
و هو الذي تصدّق بصاع التّمر حين لمزه المنافقون.
فقال كعب بن مالك: فلمّا بلغني أنّ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد توجّه قافلا من تبوك، حضرني بثّي. فطفقت أتذكّر الكذب و أقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ و أستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي. فلمّا قيل لي: إنّ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أظلّ قادما، زاح عنّي الباطل. حتّى عرفت أنّي لن أنجو منه بشيء أبدا. فأجمعت صدقه. و صبّح رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قادما. و كان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثمّ جلس للنّاس. فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون.
فطفقوا يعتذرون إليه، و يحلفون له. و كانوا بضعة و ثمانين رجلا. فقبل منهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) علانيتهم. و بايعهم و استغفر لهم. و وكل سرائرهم إلى اللَّه. حتى جئت.
فلمّا سلّمت، تبسّم تبسّم المغضب ثمّ قال «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال لي «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قال قلت: يا رسول اللَّه! إنّي، و اللَّه! لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر. و لقد أعطيت جدلا. و لكنيّ، و اللَّه! لقد علمت، لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي، ليوشكنّ اللَّه أن يسخطك عليّ. و لئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إنّي لأرجو فيه عقبى اللَّه. و اللَّه! ما كان لي عذر. و اللَّه! ما كنت قطّ أقوى و لا أيسر منّي حين تخلّفت عنك. قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «أمّا هذا، فقد صدق. فقم حتّى يقضي اللَّه فيك» فقمت.
و ثار رجال من بني سلمة فاتّبعوني. فقالوا لي: و اللَّه! ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا. لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، بما اعتذر به إليه المخلّفون. فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لك.
قال: فو اللَّه! ما زالوا يؤنّبونني حتّى أردت أن أرجع إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). فأكذّب نفسي.
قال ثمّ قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم. لقيه معك رجلان. قالا مثل ما قلت.
فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري، و هلال بن أميّة