سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٩٣ - الثامن عشر في بعض فتاويه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في النكاح و ما يتعلق به
مولى أبي حذيفة كما تبنّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) زيدا و أنكحه فكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه فأنكحه ابنة أخته فاطمة بنت الوليد بن عتبة و هي من المهاجرات الأول، و هي يومئذ أفضل أيامي قريش، فلمّا أنزل اللّه تعالى ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الأحزاب/ ٥] الآية ردّ كل واحد من أولئك إلى أبيه، فإن لم يعلم أبوه ردّ إلى مواليه،
فجاءت سهلة بنت سهيل و هي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول اللّه، كنا نرى سالما وليدا أو كان يدخل عليّ، و أنا فضل و ليس لنا إلّا بيت واحد، فما ترى؟ قال الزّهريّ: فقال لها فيما بلغنا: أرضعيه، و اللّه تعالى أعلم.
و روي عن عائشة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أم سلمة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنّى سالما، و أنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، و هو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) زيدا، و كان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه، و ورث ميراثه، حتى أنزل اللّه- عز و جل- في ذلك: «ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ» إلى قوله فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ مَوالِيكُمْ [الأحزاب/ ٥] فردّوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولى و أخا في الدين،
فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، و هي امرأة أبي حذيفة فقالت: يا رسول اللّه، إنا كنا نرى سالما ولدا، فكان يأوي معي و مع أبي حذيفة في بيت واحد، و يراني مقتلا، و قد أنزل اللّه- عز و جل- فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «أرضعيه»
فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة فبذلك كانت عائشة- رضي اللّه عنها- تأمر بنات أخواتها و بنات إخوتها أن يرضعن من أحبّت عائشة أن يراها، و يدخل عليها، و إن كان كبيرا خمس رضعات، ثم يدخل عليها، و أبت أم سلمة، و سائر أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يدخلن عليهم بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد، و قلت لعائشة: و اللّه ما ندري لعلها كانت رضعة من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لسالم دون الناس.
و روى الإمام أحمد و البخاري و أبو داود عن عقبة بن الحارث- رضي اللّه تعالى عنه- أنّه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: إني أرضعتكما، قالت: فذكرت ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و لفظ البخاري أنّه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتت امرأة
فقالت: إني أرضعت عقبة، و الذي تزوّج بها فقال لها عقبة: لا أعلم أنك أرضعتني و لا أخبرتني! فركب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة فسأله؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): كيف و قد قيل؟! ففارقها عقبة و نكحت زوجا غيره.
و روى الإمام أحمد و الترمذيّ و صحّحه عن حجاج بن حجاج الأسلميّ عن أبيه- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول اللّه، ما يذهب عني مذمّة الرضاع؟ قال: «غرّة عبد أو أمة».