سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٤ - الباب الثاني و العشرون في فصاحته (صلّى اللّه عليه و سلم)
فكان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يخاطب العرب [١] على اختلاف شعوبهم و قبائلهم و تباين بطونهم و أفخاذهم و فصائلهم يخاطب كلّا منهم بما يفهمون و يحادثهم بما يعلمونه، و لذلك قال صدّق اللَّه تعالى
قوله: «أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم»
[٢]. فكأن اللَّه تعالى قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره من بين أبيه و جمع فيه ما تفرّق و لم يوجد في قاصي العرب و دانية، و كان أصحابه رضي اللَّه تعالى عنهم و من يفد إليه من العرب يعرفون أكثر ما يقوله و ما جهلوه يسألونه عنه فيوضحه لهم.
قلت: قوله: «و لذلك
قال: أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم».
رواه الحسن بن سفيان في مسنده بسند ضعيف و له طرق تقوّيه.
و قال القاضي أبو الفضل عياض (رحمه اللّه تعالى): و أمّا فصاحة اللسان و بلاغة القول فقد كان (صلّى اللّه عليه و سلم) من ذلك بالمحلّ الأفضل و الموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع و براعة منزع و إيجاز مقطع و نصاعة لفظ و جزالة قول و صحة معان و قلة تكلّف، أوتي (صلّى اللّه عليه و سلم) جوامع الكلم و خصّ ببدائع الحكم و علم ألسنة العرب، يخاطب كلّ أمة بلسانها و يحاورها بلغتها و يباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه (صلّى اللّه عليه و سلم) يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه و تفسير قوله، من تأمّل حديثه و سيره على ذلك و تحقّقه.
ففصاحة لسانه (صلّى اللّه عليه و سلم) غاية لا يدرك مداها و منزلة لا يدانى منتهاها و كيف لا يكون ذلك و قد جعل اللَّه تعالى لسانه سيفا من سيوفه يبين عنه مراده و يدعو إليه عباده، فهو ينطق بحكمة عن أمره، و يبين عن مراده بحقيقة ذكره، أفصح خلق اللَّه إذا لفظ و أنصحهم إذا وعظ، لا يقول هجرا و لا ينطق هذرا، كلامه كله يثمر علما و يمتثل شرعا و حكما لا يتفوّه بشر بكلام أحكم منه في مقالته و لا أجزل منه في عذوبته، و خليق بمن عبّر عن مراد اللَّه بلسانه و أقام الحجة على عباده ببيانه، و بيّن مواضع فروضه و أوامره و نواهيه و زواجره، أن يكون أحكم الخلق تبيانا و أفصحهم لسانا و أوضحهم بيانا، و بالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد و لا ينكرها موافق و لا معاند.
قال القاضي (رحمه اللّه تعالى): أمّا كلامه المعتاد و فصاحته المعلومة و جوامع حكمه
[ ()] لا يعرف له إسناد ثابت لكن قال في الدرر صححه أبو الفضل بن ناصر، و قال في اللآلئ: معناه صحيح لكن لم يأت من طريق صحيح، و ذكره ابن الجوزي في الأحاديث الواهية فقال: لا يصح ففي إسناده ضعفاء لا مجاهيل.
و الحديث أخرجه الفتني في تذكرة الموضوعات (٨٧) و ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٣١٨٩٥).
[١] في أ: يخاطب ألوفا.
[٢] ذكره العجلوني في كشف الخفا و عزاه لأبي الحسن التيمي.