سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٣٦ - الباب الثلاثون في بعض ما لاقاه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) من قريش بعد موت أبي طالب
و هابوا أبا لهب، إلى أن جاء عقبة بن أبي معيط و أبو جهل بن هشام إلى أبي لهب فقالا له:
أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقال له أبو لهب: يا محمد أين مدخل عبد المطلب؟ قال:
مع قومه فخرج أبو لهب إليهما فقال: قد سألته فقال، مع قومه فقالا: يزعم أنه في النار. فقال: يا محمد أ يدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): نعم و من مات على مثل ما مات عبد المطلب دخل النار. فقال أبو لهب: لا برحت لك عدوّا و أنت تزعم أن عبد المطلب في النار.
فاشتد عليه هو و سائر قريش.
قال ابن إسحاق و كان النفر الذي يؤذون رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في بيته: أبو لهب و الحكم بن أبي العاصي بن أمية، و عقبة بن أبي معيط و عديّ بن الحمراء، و ابن الأصداء الهذلي، و كانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاصي، و كان أحدهم، فيما ذكر لي، يطرح عليه رحم الشاة و هو يصلّي، و كان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حجرا يستتر به منهم إذا صلى.
و روى البخاري و ابن المنذر و أبو يعلى و الطبراني عن عروة قال: سألت عمرو بن العاصي فقلت: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم). قال: بينما النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه، فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر رضي اللَّه عنه حتى أخذ بمنكبه و دفعه عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و قال:
أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ الآية.
زاد الأخيران: فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فلما قضى صلاته مرّ بهم و هم جلوس في ظل الكعبة فقال: يا معشر قريش أما و الذي نفسي بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذّبح و أشار بيده إلى حلقه فقال أبو جهل: يا محمد ما كنت جهولا. فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): أنت منهم.
و روى البزار و أبو يعلى برجال الصحيح عن أنس رضي اللَّه عنه: لقد ضربوا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى غشي عليه فقام أبو بكر ينادي: ويلكم أ تقتلون رجلا أن يقول ربي اللَّه.
فقالوا: من هذا؟ فقالوا: أبو بكر المجنون.
و روى الشيخان و البزار و الطبراني عن عبد الله بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه قال «ما رأيت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلي و رهط من قريش جلوس و سلا جزور نحرت بالأمس قريبا فقالوا- و في رواية فقال أبو جهل- من يأخذ سلا هذا الجزور فيضعه على كتفي محمد إذا سجد فانبعث أشقاهم عقبة بن أبي معيط فجاء به فقذفه على ظهره (صلّى اللّه عليه و سلم)، فضحكوا و جعل بعضهم يميل إلى بعض و النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) ما يرفع رأسه، و جاءت فاطمة رضي اللَّه عنها فطرحته عن ظهره و دعت على من صنع ذلك. فلما قضى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)