سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٢٩ - الباب الثامن و العشرون في وفاة أبي طالب و مشي قريش إليه ليكف عنهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)
فأنزل اللَّه فيهم أول سورة ص.
فقال أبو طالب لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): و اللَّه يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شحطا. فلما قالها طمع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيه فجعل يقول: أي عم فأنت فقلها أستحلّ لك بها الشفاعة يوم القيامة فلما رأى حرص رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على ذلك قال: لولا مخافة السّبة عليك و على بني أبيك من بعدي و أن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها لا أقولها إلا لأسرّك بها.
و ذكر ابن الكلبي أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال:
يا معشر قريش أنتم صفوة اللَّه من خلقه و قلب العرب و اعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه و لا شرفا إلا أدركتموه فلكم بذلك على الناس الفضيلة و لهم به إليكم الوسيلة و الناس لكم حرب و على حربكم إلب، و إني أوصيكم بتعظيم هذه البنيّة فإن فيها مرضاة للرب و قواما للمعاش و ثباتا للوطأة، صلوا أرحامكم و لا تقطعوها فإن في صلة الرحم منسأة في الأجل و زيادة في العدد، و اتركوا البغي و العقوق ففيها هلكت القرون قبلكم، أجيبوا الداعي و أعطوا السائل فإن فيها شرف الحياة و الممات، عليكم بصدق الحديث و أداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص و مكرمة في العامّ، و إني أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش و الصدّيق في العرب، و هو الجامع لكل ما أوصيكم به، و ايم اللَّه كأني أنظر إلى صعاليك العرب و أهل البرّ في الأطراف و المستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته و صدّقوا كلمته و عظّموا أمره فخاض بهم غمرات الموت فصارت رؤساء قريش و صناديدها أذنابا و دورها خرابا و ضعافها أربابا و أعظمهم عليه أحوجهم إليه و أبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها و أصفت له فؤادها و أعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم كونوا له ولاة، و لحربه حماة، و اللَّه لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد و لا يأخذ أحد بهديه إلا سعد و لو كان لنفسي مدة و لأجلي تأخير لكفيت عنه الهزاهز و لدافعت عنه الدواهي.
ثم إن أبا طالب مات بعد ذلك.
و روى الشيخان عن المسيّب بن حزن رضي اللَّه عنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فوجد عنده أبا جهل و عبد الله بن المغيرة فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): يا عم قل لا إله إلا اللَّه كلمة أشهد- و في لفظ: أحاجّ- لك بها عند اللَّه فقال أبو جهل و عبد الله بن أمية: يا أبا طالب أ ترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يعرضها عليه و يعودان لتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب. و أبى أن يقول:
لا إله إلا اللَّه بعد ذلك: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [التوبة ١١٣] و نزل في أبي