سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٣٣ - الباب الثامن في إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه
نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجّه بها شجة منكرة و قال: أ تشتمه و أنا على دينه أقول ما يقول؟ فردّ عليّ ذلك إن استطعت.
فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني و اللَّه قد سببت ابن أخيه سبّا قبيحا.
زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم رجع حمزة إلى بيته فقال: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ و تركت دين آبائك؟ للموت خير لك مما صنعت. و قال: اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، و إلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا. فبات بليلة لم يبت مثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح فغدا على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: يا ابن أخي إني قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه و إقامة مثلي على ما لا أدري ما هو أرشد أم هو غيّ شديد فحدّثني حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدّثني.
فأقبل رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فذكّره و وعظه و خوّفه و بشّره، فألقى اللَّه تعالى في قلبه الإيمان بما قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: أشهد إنّكم لصادق فأظهر يا ابن أخي دينك فو اللَّه ما أحبّ أن لي ما أظلّته المساء و أني على ديني الأول.
و تمّ حمزة على إسلامه و على ما بايع عليه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من قوله.
فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عزّ و امتنع، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. و قال حمزة حين أسلم:
حمدت اللَّه حين هدى فؤادي* * * إلى الإسلام و الدّين الحنيف
لدين جاء من ربّ عزيز* * * خبير بالعباد بهم لطيف
إذا تليت رسائله علينا* * * تحدّر دمعه ذي اللّبّ الحصيف
رسائل جاء أحمد من هداها* * * بآيات مبيّنة الحروف
و أحمد مصطفى فينا مطاع* * * فلا تغسوه بالقول الضّعيف
فلا و اللَّه نسلمه لقوم* * * و لمّا نقض فيهم بالسّيوف
و نترك منهم قتلى بقاع* * * عليها الطّير كالورد العكوف
و قد خبّرت ما صنعت ثقيف* * * به فجزى القبائل من ثقيف
إليه النّاس شرّ جزاء قوم* * * و لا أسقاهم صوب الخريف
[١]
[١] انظر الروض الأنف ٢/ ٤٩، ٥٠.