سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٩ - الباب الرابع عشر فيما جاء في شق صدره و قلبه الشريفين (صلّى اللّه عليه و سلم)
يقصده الشيطان فإن الشيطان يجيء الصدر الذي هو حصن القلب فإذا وجد مسلكا أغار عليه فيضيق القلب و لا يجد للطاعة لذة و لا للإسلام حلاوة فإذا طرد العدوّ في الابتداء حصل الأمن و زال الضّيق و انشرح الصدر و تيسّر له القيام بأداء العبوديّة.
الأستاذ أبو علي الدّقاق (رحمه اللّه تعالى): كان موسى (صلّى اللّه عليه و سلم) مريدا إذ قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي و كان نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) مرادا إذ قيل له أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ الإمام الرازي (رحمه اللّه تعالى): و إنمّا لم يقل: ألم نشرح صدرك دون «لك» لوجهين:
أحدهما: أراد شرحته لأجلك كما تفعل أنت الطاعة لأجلي. الثاني: أن فيه تنبيها على أن منافع الرسالة عائدة إليه (عليه الصلاة و السلام)، كأنه قيل إنمّا شرحنا لك صدرك لأجلك لا لأجلي.
و إنما قال «نشرح» بنون العظمة لأن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة، و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يضيق صدره من منازعة الجن و الإنس فآتاه اللَّه تعالى من آياته ما اتسع لكل ما حمله (صلّى اللّه عليه و سلم).
و اختلف المفسرون في معنى الآية على أقوال: فقال الإمام البيضاوي (رحمه اللّه تعالى):
ألف نفسحه حتى وسع مناجاة الحق و دعوة الخلق و كان غائبا حاضرا أو: ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم و أزلنا عنه ضيق الجهل. أو: بما يسّرناه لك من تلقّي الوحي بعد ما كان يشق عليك.
و قيل: إنه إشارة إلى ما روي أن جبريل أتى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في صباه أو يوم أخذ الميثاق فاستخرج قلبه فغسله فملأه إيمانا و علما و لعله إشارة إلى نحو ما سبق انتهى.
قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في حواشيه: إن أراد بقوله «يوم الميثاق» يوم أخذه في عالم الذّرّ فلا أصل له. و إن أراد به يوم بعث و نبّئ. و بيّض الشيخ هنا. قلت: و كأنه أراد: فله أصل.
كما سيأتي في المرة الثالثة.
و لا منافاة بين هذه الأقوال السابقة و بين شق صدره (صلّى اللّه عليه و سلم) فإن من جملة شرح صدره شقه و إخراج ما فيه من أذى كما أشار إلى ذلك الحافظان أبو جعفر محمد بن جرير الطبري و ابن كثير (رحمهما اللّه تعالى).
و قد تكرّر شقّ صدره الشريف (صلّى اللّه عليه و سلم) أربع مرّات:
الأولى: و هو (صلّى اللّه عليه و سلم) صغير في بني سعد.
روى البيهقي عن إبراهيم بن طهمان- بفتح الطاء المهملة (رحمه اللّه تعالى): قال:
سألت سعدا عن قوله تعالى: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ فحدثني به عن قتادة عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: شقّ بطنه (صلّى اللّه عليه و سلم) من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج قلبه إلخ.