سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥٥ - الباب الرابع عشر في تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن و الآيات التي أنزلت فيه
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟
قال: و اللَّه إن لقوله حلاوة و إن عليه طلاوة و إن أصله لمغدق و إن فرعه لمثمر و ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا و أنا أعرف أنه باطل، و إن أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر، فما يقول سحر يفرق بين المرء و ابنه و بين المرء و أخيه و بين المرء و زوجه و بين المرء و عشيرته.
فتفرّقوا عنه بذلك، و جعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمرّ بهم أحد إلا حذّروه إياه و ذكروه لهم.
و أنزل اللَّه تعالى في الوليد و في ذلك من قوله: ذَرْنِي أي اتركني. و هي كلمة يقولها المغتاظ إذا اشتد غيظه و غضبه و كره أن يشفع لمن اغتاظ عليه. وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً أي منفردا بلا أهل و لا مال وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً واسعا متصلا من الزروع و الضروع و التجارة. وَ بَنِينَ عشرة أو أكثر شُهُوداً يشهدون المحافل و تسمع شهادتهم وَ مَهَّدْتُ بسطت لَهُ في العيش و العمر و الولد تَمْهِيداً. ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا لا أزيده على ذلك إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا أي القرآن عَنِيداً معاندا سَأُرْهِقُهُ أكلّفه صَعُوداً مشقة من العذاب أو جبلا من نار يصعد فيه ثم يهوى أبدا إِنَّهُ فَكَّرَ فيما يقوله في القرآن الذي سمعه من النبي (صلّى اللّه عليه و سلم). و قدّر في نفسه ذلك. فَقُتِلَ لعن و عذّب كَيْفَ قَدَّرَ على أي حال كان تقديره. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ تكرير للمبالغة و ثم للدلالة على أن الثانية أبلغ من الأولى و فيما يقدّر على الأصل. ثُمَّ نَظَرَ في وجوه قومه أو فيما يقدح به في القرآن. ثُمَّ عَبَسَ قبض وجهه و كلّحه ضيقا بما يقول وَ بَسَرَ زاد في القبض و الكلوح ثم ثُمَّ أَدْبَرَ عن الإيمان وَ اسْتَكْبَرَ تكبر عن اتباع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال فيما جاء به: إِنْ ما هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ينقل عن السحرة إِنْ ما هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ. كما قالوا: إنما يعلّمه بشر سَأُصْلِيهِ أدخله سَقَرَ جهنم وَ ما أَدْراكَ ما سَقَرُ تعظيم لشأنها لا تُبْقِي وَ لا تَذَرُ شيئا من لحم و لا عصب إلا أكلته ثم يعود كما كان لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ محرقة لظاهر الجلد.
قال ابن إسحاق: و أنزل اللَّه تعالى في النفر الذين كانوا معه يسفّون القول في رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و فيما جاء به: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أصنافا، و واحدة العضين عضة فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ سؤال توبيخ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ.
قال ابن إسحاق: و صدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.