سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٩ - الباب الحادي عشر في امتحانهم إياه بأصياء لا يعرفها إلا نبي
و الأكثر: أنه كان من الملوك الصالحين. و ذكره البخاري قبل ترجمة إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم). قال الحافظ: و في ذلك إشارة إلى توهين قول من زعم أنه الإسكندر اليوناني، لأن الإسكندر كان قريبا من زمن عيسى، و بين زمن إبراهيم و عيسى أكثر من ألفي سنة. و الذي يظهر أن الإسكندر المتأخر لقب بذي القرنين تشبيها بالمتقدم لسعة مملكته و غلبته على البلاد الكثيرة، أو لأنه لما غلب على الفرس و قتل ملكهم انتظم له ملك المملكتين الواسعتين الرّوم و الفرس فلقّب ذو القرنين بذلك.
و الحق: أن الذي قصّ اللَّه نبأه في القرآن هو المتقدم، و الفرق بينهما من أوجه: أحدها ما ذكرته. و الذي يدلّ على تقدم ذي القرنين ما رواه الفاكهيّ عن عبيد بن عمير أحد كبار التابعين: أن ذا القرنين حجّ ماشيا فسمع به إبراهيم فتلقّاه.
و ذكر ابن هشام في التيجان أن إبراهيم تحاكم إلى ذي القرنين في شيء فحكم له.
ثاني الأوجه: قال الإمام فخر الدين كان ذو القرنين نبيّا و كان الإسكندر كافرا و لكن الجمهور على خلاف قوله إنه كان نبيا.
ثالثها: كان ذو القرنين من العرب. و أما الإسكندر فهو من اليونان.
و شبهة من قال إن ذا القرنين هو الإسكندر: ما رواه ابن جرير بإسناد فيه ابن لهيعة أن رجلا سأل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عن ذي القرنين فقال: كان من الروم فأعطي ملكا فسار إلى مصر و بنى الإسكندرية. إلى آخره.
و هذا لو صحّ لدفع النزاع، و لكنه ضعيف.
هذا خلاصة كلام الحافظ في الفتح.
و قال الشيخ تقي الدين المقريزي في الخطط: اعلم أن التحقيق عند علماء الأخبار أن ذا القرنين الذي ذكره اللَّه تعالى في القرآن اسمه الصّعب بن الحارث. و ساق نسبه إلى قحطان بن هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، و أنه ملك من ملوك حمير و هم العرب العاربة و يقال لهم أيضا العرب العرباء.
كان ذو القرنين تبّعا متوّجا و لما تولى الملك تجبّر ثم تواضع للَّه تعالى. و قد غلط من ظن أن الإسكندر هو ذو القرنين الذي بنى السّدّ فإن لفظة «ذو» عربية، و ذو القرنين من ألقاب ملوك اليمن، و ذاك رومي يوناني و بسط الكلام على ذلك و ذكر الحافظ عماد الدين ابن كثير نحو ما سبق عن الحافظ و صوّب أن ذا القرنين غير الإسكندر اليوناني و بسط الكلام على ذلك. قُلْ سَأَتْلُوا سأقصّ عَلَيْكُمْ مِنْهُ من حاله ذِكْراً خبرا. إلى آخر القصة.