سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٨ - الباب الحادي عشر في امتحانهم إياه بأصياء لا يعرفها إلا نبي
وَ قُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا من خبر أهل الكهف في الدلالة على نبوّتي رَشَداً هداية و قد فعل اللَّه تعالى ذلك.
وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ اختلف في اسمه فقيل اسمه الصّعب. و به جزم كعب الأحبار و نقله ابن هشام في التيجان عن ابن عباس. و قال الشيخ تقي الدين المقريزي في الخطط: إنه التحقيق عند علماء الأخبار. و قال الحافظ في الفتح بعد أن أورد قول أعشى بن ثعلبة:
و الصّعب ذو القرنين أمسى ثاويا* * * بالحنو في حديث هناك مقيم.
و الحنو- بكسر الحاء المهملة و سكون النون فواو: مكان في ناحية المشرق. ثم ذكر شواهد أخر يؤخذ من أكثر هذه الشواهد أن الراجح في اسمه الصّعب. و قيل المنذر: و قيل غير ذلك.
و لقّب بذي القرنين قيل لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها و قرن الشمس من مطلعها رواه الزبير بن بكّار عن الزّهري. و قيل لأنه ملكهما. و قيل لأنه رأى في منامه أنه أخذ بقرني الشمس، و قيل لأنه كان له قرنان حقيقة. و هذا أنكره الإمام علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى. و قيل لأنه كان له ضفيرتان تواريهما ثيابه. و قيل كانت الغديرتان طويلتين من شعره حتى كان يطأ عليهما. و قيل لأنه دخل النور و الظّلمة. و قيل لأنه عمّر حتى فني في زمانه قرنان من الناس. و قيل غير ذلك.
و اختلف في نبوته: فقيل كان نبيّا. و به جزم جماعة. و هو مرويّ عن عبد الله بن عمرو بن العاصي. قال الحافظ: و عليه ظاهر القرآن و
روى الحاكم من حديث أبي هريرة قال:
قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا أدري ذو القرنين كان نبيّا أو لا»
و ذكر وهب في المبتدأ أنه كان عبدا صالحا و أن اللَّه تعالى بعثه إلى أربعة أمم اثنتين منها طول الأرض، و اثنتين منها عرض الأرض فذكر قصة طويلة ذكرها الثعلبي في تفسيره.
و روى الزبير بن بكّار و سفيان بن عيينة في جامعه و الضياء المقدسي في صحيحه، كلاهما من طريق آخر بسند صحيح كما قال الحفاظ عن أبي الطفيل أن ابن الكوّاء قال لعلي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه: أخبرني عن ذي القرنين نبيّا كان أم ملكا؟ قال: لم يكن نبيا و لا ملكا و لكن كان عبدا صالحا أحبّ اللَّه فأحبّه، و نصح للَّه فنصحه، بعثه إلى قومه فضربوه على قرنه ضربة مات فيها، ثم بعثه اللَّه إليهم فضربوه، ثم بعثه فسمّي ذا القرنين. قال الحافظ: و فيه إشكال لأن قوله: لم يكن نبيا مغاير لقوله: بعثه اللَّه إلى قومه إلا أن يحمل البعث على غير رسالة النبوّة.