سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٧ - الباب الحادي عشر في امتحانهم إياه بأصياء لا يعرفها إلا نبي
تولّيهم عنك إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ القرآن أَسَفاً غيظا و حزنا منك لحرصك على إيمانهم إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ من الحيوان و النبات و الشجر و الأنهار و غير ذلك زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ لنختبر الناس ناظرين إلى ذلك أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فيه أي أزهد له وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً فتاتا جُرُزاً يابسا لا ينبت.
ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوا عنه من شأن الفتية فقال: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ الغار في الجبل وَ الرَّقِيمِ اللوح المكتوب فيه أسماؤهم و أنسابهم كانُوا في قصتهم مِنْ جملة آياتِنا عَجَباً خبر كان و ما قبله حال، أي كانوا عجبا دون باقي الآيات و أعجبها؟ ليس الأمر كذلك.
اذكر إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ جمع فتى و هو الشاب الكامل خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ غيره إِلهاً، لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً أي قولا ذا شطط، أي إفراط في الكفر إن دعونا إلها غير اللَّه فرضا.
هؤُلاءِ مبتدأ قَوْمُنَا عطف بيان اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً الخبر: لَوْ لا هلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ على عبادتهم بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ بحجة ظاهرة فَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك إليه تعالى إلى آخر القصة.
ثم قال تعالى: سَيَقُولُونَ أي المتنازعون فيهم في عدد الفتية في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أي يقول بعضهم: هم ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ أي بعضهم: خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ و القولان لنصارى نجران رَجْماً بِالْغَيْبِ أي ظناً في الفتية عنهم، و هو راجع إلى القولين معا و نصبه على المفعول أي لظنهم ذلك. وَ يَقُولُونَ أي المؤمنون سَبْعَةٌ وَ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ الجملة من المبتدأ و الخبر صفة سبعة بزيادة الواو، و قيل تأكيد أو دلالة على لصق الصفة بالموصوف، و وصف الأوّلين بالرجم دون الثالث يدل على أنه مرضيّ صحيح قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ من الناس. قال ابن عباس: أنا من ذلك القليل. و ذكر أنهم سبعة فَلا تُمارِ تجادل فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً بما أنزل إليك. وَ لا تَسْتَفْتِ تطلب الفتيا فِيهِمْ مِنْهُمْ من أهل الكتاب اليهود أَحَداً. وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً أي فيما يستقبل من الزمان إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي إلا ملتبسا بمشيئة اللَّه بأن تقول: إن شاء اللَّه وَ اذْكُرْ رَبَّكَ أي مشيئته معلّقا بها إِذا نَسِيتَ التعليق بها و يكون ذكرها بعد النسيان كذكرها مع القول. قال الحسن و غيره: ما دام في المجلس. و روى ابن أبي حاتم و الطبراني عن ابن عباس في الآية قال: إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت. قال: و هي خاصة برسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).