سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١٥ - الباب الرابع في قصة إسلام أبي ذر و أخيه أنيس- رضي اللَّه تعالى عنهما
قضى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صلاته أتيت فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، فرأيت الاستبشار في وجه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم). قال أبو ذر: فكنت أول من حيّاه بتحية الإسلام فقال: و عليك السلام و رحمة اللَّه. ثم قال: ممن الرجل؟ قلت: من غفار، فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار. فذهبت آخذ بيده فقدعني صاحبي و كان أعلم به مني، ثم رفع رأسه فقال: متى كنت هاهنا؟ قلت:
كنت من ثلاثين بين ليلة و يوم. قال: فمن كان يطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني و ما أجد على بطني سخفة جوع. قال: مباركة، إنها طعام طعم و شفاء سقم.
و في رواية ابن عباس عن أبي ذر قال: أقبلت حتى أتيت مكة فجعلت لا أعرفه و أكره أن أسأل عنه، و أشرب من ماء زمزم و أكون في المسجد، و اضطجعت. قال: فمرّ بي عليّ فقال:
كأنّ الرجل غريب؟ قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل. قال فانطلقت معه لا يسألني عن شيء و لا أخبره فلما أصبحت احتملت قربتي و زادي إلى المسجد أسأل عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و ليس أحد يخبرني عنه بشيء، فظللت ذلك اليوم حتى أمسيت فعدت إلى مضجعي فمرّ بي عليّ فقال: أما نال للرجل أن يعرف منزله بعد؟ قلت: لا. قال: انطلق معي. فذهبت معه لا يسألني عن شيء و لا أخبره عن شيء، فلما كان اليوم الثالث فعل ذلك، فأقامه فذهب معه ثم قال له:
ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟ فقلت له: إن كتمت عليّ أخبرتك. و في رواية: إن أعطيتني عهدا و ميثاقا لترشدنّي فعلت. ففعل فأخبرته فقال: أما إنك قد رشدت إنه حقّ و إنه رسول اللَّه، فإذا أصبحت فاتبعني فإن رأيت شيئا أخافه عليك قمت كأني أريق ماء. و في رواية: قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي و امضي أنت، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي.
فمضى و مضيت معه حتى دخل و دخلت معه على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقلت له: اعرض عليّ الإسلام، فعرض فأسلمت مكاني فقال: يا أبا ذر اكتم هذا الأمر و ارجع إلى قومك فأخبرهم بأمري، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل فقلت: و الذي بعثك بالحق- و في رواية: و الذي نفسي بيده- لأصرخن بها بين ظهرانيهم.
فخرجت حتى آتي المسجد و قريش فيه فناديت بأعلى صوتي: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمد رسول اللَّه. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فثار القوم فضربت لأموت. و في رواية حتى أضجعوني فأدركني العباس فأكبّ عليّ ثم قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار و أنه طريق تجارتكم عليهم؟! فأقلعوا عنّي.
فلما أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئي فصنع بي ما صنع بالأمس، و أدركني العباس فأكبّ عليّ و قال مثل مقالته بالأمس.