سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٦٨ - تنبيهات
من جهة روحه و لا من جهة جسده، و إن كانت في الجسد المشبّه بجسد دحية فهل يموت الجسد الذي له ستمائُة جناح كما تموت الأجساد إذا فارقتها الأرواح؟ أم يبقى حيّا خاليا من الروح المتنقلة بالجسد المشبّه بجسد دحية؟
قلت: لا يبعد أن يكون انتقالها من الجسد الأول غير موجب لموته لأن موت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا، و إنما هو بعادة مطّردة أجراها اللَّه في أرواح بني آدم، فيبقى ذلك الجسد حيّا لا ينقص، من معارفه و طاعاته شيء، و يكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف الطيور الخضر. انتهى.
و قال الشيخ سراج الدين البلقيني في كتابه «الفيض الجاري على صحيح البخاري»:
يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأول، إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، و إذا ترك ذلك عاد إلى هيئته، و مثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان منفوشا، فإنه بالنفش تحصل له صورة كبيرة و ذاته لم تتغيّر و هذا على سبيل التقريب.
و قال العلامة علاء الدين القونوي [١] شارح الحاوي في كتاب «الإعلام بإلمام الأرواح بعد الموت على الأجسام»: قد كان جبريل (عليه الصلاة و السلام) يتمثّل في صورة دحية و تمثّل لمريم بشرا سويّا، و في الممكن أن يخص اللَّه بعض عباده في حال الحياة بخاصة لنفسه الملكيّة القدسية و قوة لها يقدر بها على التصّرف في بدن آخر غير بدنها المعهود مع استمرار تصرفها في الأول. و قد قيل في الأبدال: إنهم إنما سمّوا أبدالا لأنهم قد يرحلون إلى مكان و يقيمون في مكانهم شبحا آخر تشبيها بشبحهم الأصلي بدلا عنه، و قد أثبت الصوفية عالما متوسّطا بين عالمي الأجساد و الأرواح، و بنوا على ذلك تجسّد الأرواح و ظهورها في صور مختلفة من عالم المثال، و قد يستأنس لذلك بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا فتكون الروح الواحدة كروح جبريل مثلا في وقت واحد مدبّرة لشبحه الأصلي، و لهذا الشبح المثال، و ينحلّ بهذا ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة أنه سأل بعض الأكابر عن جسم جبريل فقال: أين كان يذهب ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة أنه سأل بعض الأكابر عن جسم جبريل فقال: أين كان يذهب جسمه الأول- الذي يسدّ الأفق بأجنحته لمّا تراءى للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في صورته الأصلية- عند إتيانه إليه في صورة دحية؟ و قد تكلف بعضهم الجواب عنه بأنه يجوز أن يقال:
[١] محمود بن علي بن إسماعيل بن يوسف، العالم، محب الدين أبو الثناء بن الإمام العلامة علاء الدين، التبريزي، القونوي الأصل المصري. ولد بمصر سنة تسع عشرة و سبعمائة، و توفي والده و هو صغير، فاشتغل، و أخذ عن مشايخ العصر، و درس و أشغل، و أفتى، و صنف. ذكره رفيقه الإسنوي في طبقاته، و بالغ في المدح له و الثناء عليه، فقال: كان صاحب علم و عمل و طريقة لا عوج فيها و لا خلل. كان عالما بالفقه و أصوله، فاضلا في العربية و المعاني و البيان، صالحا، مجتهدا في العبادة و التلاوة، كثير الاشتغال و الإشغال محافظا على أوقاته، توفي في ربيع الآخر سنة ثمان و خمسين و سبعمائة. الطبقات لابن قاضي شهبة ٣/ ٧٢، ٧٣، و طبقات الشافعية للسبكي ٦/ ٢٤٧. و طبقات الأسنوي