سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٥ - تنبيهات
بوصف القائل بغلبة الروحانية و هو النوع الأول، و إما باتصاف القائل بوصف السامع و هو البشرية و هو النوع الثاني، و الأول أشد بلا شك.
و قال الطّيبيّ: لعل نزول القرآن على الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يتلقّفه الملك من اللَّه تعالى تلقفا روحانيا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به إلى الرسول و يلقيه عليه.
و قال القطب الرازي في حواشي الكشّاف: الإنزال لغة بمعنى الإيواء و بمعنى تحريك الشيء من علوّ إلى سفل، و كلاهما لا يتحققان في الكلام، فهو مستعمل فيه في معنى مجازيّ، فمن قال: القرآن معنى قائم بذات اللَّه تعالى: فإنزاله أن يوجد الكلمات و الحروف الدالة على ذلك المعنى و يثبتها في اللوح المحفوظ، و هذا المعنى مناسب لكونه منقولا عن أول المعنيين اللغويين، و يمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ، و هذا مناسب للمعنى الثاني، و المراد بإنزال الكتب على الرسل أن يلقّفها الملك تلقفا روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ و ينزل بها فيلقيها عليهم.
و قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في فتاويه: و سألت شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجيّ عن كيفية التلقف الروحاني فقال لي: لا بكيف.
و قال البيهقي (رحمه اللّه تعالى) في معنى قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يريد و اللَّه تعالى أعلم: إنا أسمعنا الملك و أفهمناه إياه و أنزلناه بما سمع، فيكون الملك منتقلا به من علوّ إلى سفل.
قال أبو شامة: هذا المعنى مطّرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى شيء منه يحتاج إليه أهل السّنة المعتقدون قدم القرآن و أنه صفة قائمة بذات اللَّه تعالى.
قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى): و يؤيّد أن جبريل تلقفه سماعا من اللَّه تعالى ما أخرجه الطبراني من حديث النواس بن سمعان رضي اللَّه تعالى عنه مرفوعا: إذا تكلم اللَّه بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف اللَّه تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا و خرّوا سجدا فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلمه اللَّه تعالى بما أراد فينتهي به على الملائكة فكلما مرّ بسماء سأله أهلها: ما ذا قال ربّنا؟ قال: الحق. فينتهي به حيث أمر [١].
و أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رفعه: إذا تكلم اللَّه تعالى بالوحي يسمع أهل السماء صلصلة كصلصلة السّلسلة على الصفوان فيفزعون و يرون أنه من أمر الساعة فذكر نحو ما سبق. و أصل الحديث في الصحيح [٢].
[١] أخرجه أبو داود ٢/ ٦٤٩ من حديث مسلم عن مسروق عن عبد الله مرفوعا بنحوه.
[٢] في البخاري ١٣/ ٤٦١ كتاب التوحيد.