سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٤ - تنبيهات
قال الشيخ: لكن يشكل على هذا ما اشتهر من أنه بعث في شهر ربيع الأول. و يجاب عن هذا بما ذكروه أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) نبّئ أولا بالرؤيا في شهر مولده، ثم كانت مدتها ستة أشهر، ثم أوحى إليه في اليقظة، ذكره البيهقي و غيره.
الثالث: قال أبو شامة: إن قيل ما السر في نزوله منجّما و هلّا نزل كسائر الكتب جملة؟
قلنا: هذا سؤال قد تولّى اللَّه جوابه فقال تعالى: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان ٣٢] يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله «كذلك» أي أنزلناه كذلك مفرقا «لنثبّت به فؤادك».
أي لنقوّي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدّد في كل حادثة كان أقوى للقلب و أشدّ عناية بالمرسل إليه، و يستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه و تجديد العهد به و بما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة و لهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبريل. و قيل معنى «لنثبت به فؤادك»: أي لنحفظه لأنه (عليه الصلاة و السلام) كان أميا لا يقرأ و لا يكتب ففرّق عليه ليثبت عنده حفظه بخلاف غيره من الأنبياء فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع.
و قال غيره: إنما لم ينزل جملة واحدة لأن منه الناسخ و المنسوخ، و لا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرّقا، و منه ما هو جواب لسؤال، و منه ما هو إنكار على قول قيل أو فعل فعل، و قد تقدم ذلك في قول ابن عباس: «و نزل به جبريل بجواب كلام العباد و أعمالهم».
و به فسّر قوله تعالى: وَ لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِ [الفرقان ٣٣].
فالحاصل: أن الآية تضمنت حكمتين لإنزاله مفرّقا.
الرابع: قال الأصفهاني: اتفق أهل السّنة و الجماعة على أن كلام اللَّه تعالى منزّل و اختلفوا في معنى الإنزال، فمنهم من قال: إظهار القراءة، و منهم من قال: إن اللَّه تعالى ألهم كلامه جبريل و هو في السماء و هو عال من المكان و علّمه قراءته، ثم جبريل أداه في الأرض و هو يهبط في المكان.
و في التنزيل طريقان: أحدهما: أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية و أخذه من جبريل.
و الثاني: أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه الرسول منه.
و الأول أصعب الحالين.
و قال الحافظ: جرت العادة بالمناسبة بين القائل و السامع، و هي هنا إما باتصاف السامع