سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٣ - تنبيهات
لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، و لكن اللَّه باين بينه و بينها فجعل له الأمرين: إنزاله جملة ثم إنزاله مفرّقا تشريفا للمنزّل عليه. ذكر ذلك أبو شامة (رحمه اللّه تعالى).
و قال الحكيم الترمذي (رحمه اللّه تعالى): إنزال القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا تسليما منه للأمة ما كان أبرز لهم من الحظّ بمبعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و ذلك أن بعثته كانت رحمة، فلما خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت بمحمد و بالقرآن، فوضع القرآن ببيت العزّة في السماء الدنيا ليدخل في حد الدنيا، و وضعت النبوة في قلب محمد (صلّى اللّه عليه و سلم)، و جاء جبريل بالرسالة ثم الوحي، كأنه أراد تعالى أن يسلّم هذه الرحمة التي كانت حظّ هذه الأمة من اللَّه تعالى إلى الأمة.
و قال الإمام أبو الحسن السّخاوي في «جمال القرآن» في نزول القرآن إلى السماء جملة تكريم بني آدم و تعظيم شأنهم عند الملائكة و تعريفهم عناية اللَّه بهم و رحمته لهم، و لهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة أن تشيّع سورة الأنعام! و زاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل بإملائه على السّفرة الكرام و انساخهم إياه و تلاوتهم له.
قال: و فيه أيضا التسوية بين نبينا و بين موسى في إنزال كتابه جملة، و التفضيل لمحمد (صلّى اللّه عليه و سلم) في إنزاله عليه منجّما ليحفظه.
الثاني: قال أبو شامة (رحمه اللّه تعالى): الظاهر أنه نزل جملة إلى السماء الدنيا قبل ظهور نبوته (صلّى اللّه عليه و سلم). قال: و يحتمل أن يكون بعدها.
قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى): و الظاهر الثاني.
و سياق الآثار السابقة عن ابن عباس صريح فيه.
و قال الحافظ: قد أخرج أحمد و البيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «أنزلت التوراة لستّ مضين من رمضان، و الإنجيل لثلاث عشرة خلت منه، و الزبور لثمان عشرة خلت منه، و القرآن لأربع و عشرين خلت منه» [١]. و في رواية: «و صحف إبراهيم لأول ليلة».
قال: و هذا الحديث مطابق لقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة ١٨٥] و لقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر ١] فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنّة كانت تلك الليلة، فأنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع و العشرين إلى الأرض أول اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
[١] أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٠٧ و الطبري في التفسير ٢/ ٨٤ و البيهقي في الأسماء و الصفات (٢٣٤).