سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٧ - تنبيهات
الوحي. قاله النووي قال: فإنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يكن متوقعا للوحي.
قال البلقيني: و في إطلاق هذا النفي نظر، فإن الوحي كان جاءه في النوم مرارا، و استدل بما رواه ابن إسحاق عن عبيد بن عمير أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) وقع له في النوم نظير ما وقع له في اليقظة من الغط و الأمر بالقراءة و غير ذلك. قال الحافظ: ففي كون ذلك يستلزم وقوعه في اليقظة حتى يتوقعه نظر، فالأولى ترك الجزم بأحد الأمرين.
الحقّ: قال الطيبي: أي الأمر الحق، و هو الوحي أو رسول الحق و هو جبريل. و قال البلقيني: أي الأمر البيّن الظاهر أو المراد: الملك بالحق، أي الأمر الذي بعث به.
فجاءه الملك: هو جبريل بلا خلاف كما قال البلقيني، و اللام فيه لتعريف الماهية لا للعهد، إلا أن يكون المراد به ما عهده (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل ذلك، لمّا كلّمه في صباه، أو اللفظ لعائشة و قصدت به ما يعهده من تخاطبه به.
قال الإسماعيلي: هي عبارة عما عرف بعد أنه ملك، إنما الذي في الأصل: فجاءه جاء و كان ذلك الجائي ملكا، فأخبر (صلّى اللّه عليه و سلم) عنه يوم أخبر بحقيقة جنسه، و كان الحامل على ذلك أنه لم يتقدم له معرفة به.
و قال البلقيني: و الفاء يحتمل أن تكون سببية أي حتى قضي بمجيء الوحي، فبسبب ذلك جاءه الملك.
قال الحافظ: و هو أقرب من الذي قبله. و قال في مكان آخر هذه الفاء تسمى التفسيرية و ليست التعقيبية، لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى يعقّب به بل هو نفسه، و لا يلزم من هذا التقدير أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسّر به من جهة الإجمال و غيره من جهة التفصيل.
فقال «اقرأ»: يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرد التنبيه و التيقظ لما سيلقى إليه، و أن يكون على بابه من الطلب، و يحتمل أن صفة الأمر محذوفة أي قل: اقرأ، و إن كان الجواب ما أنا بقارئ فعلى ما فهم من ظاهر اللفظ، و كأن السر في حذفها لئلا يتوهم أن لفظ قل من القرآن.
قال أبو شامة: وقع في الصحيحين الأمر بالقراءة من غير ذكر المقروء و
في حديث عبيد بن عمير قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «فجاءني و أنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ».
ففي هذه الرواية بيان المقروء، إلا أن الأشبه أن هذا المجيء غير الذي في حديث عائشة، لأن هذا صرّح فيه أنه كان فيه مناما و حديث عائشة في اليقظة.