سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧٩ - الباب الأول في بدء عبادة الأصنام و الإشراك بالله تعالى
على موضع زمزم ينحرون عندهما، و كان إساف و نائلة رجلا و امرأة من جرهم و هو إساف بن بغي. قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: ما زلنا نسمع أن إسافا و نائلة كانا رجلا و امرأة من جرهم أحدثا في جوف الكعبة فمسخهما اللَّه حجرين.
رواه ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: و اتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه من دون اللَّه فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسّح به حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، فإذا قدم من سفره تمسّح به فكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله، فلما بعث اللَّه سبحانه و تعالى نبيه محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) بالتوحيد قالت قريش: أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص ٥].
و ذكر ابن إسحاق و غيره كثيرا من أسماء أصنام العرب. و لم أذكر ذلك إذ لا فائدة في ذكرها و ذكرت منها ما سمّي في القرآن العزيز مع زيادة.
تنبيه: قال الواقدي: كان ودّ على صورة رجل، و سواع على صورة امرأة، و يغوث على صورة أسد، و يعوق على صورة فرس، و نسر على صورة طائر.
قال في الفتح: و هذا شاذ، و المشهور أنهم كانوا على صورة البشر، و هو مقتضى الآثار في سبب عبادتها.
و قال المسعودي في مروج الذهب. كان كثير من أهل الهند و الصين و غيرهم من الطوائف يعتقدون أن اللَّه تعالى جسم و أن الملائكة أجسام لها تمام و أن اللَّه تعالى احتجب بالسماء فدعاهم ذلك إلى أن اتخذوا تماثيل و أصناما على صورة الباري تعالى و بعضها على صورة الملائكة مختلفة القدور و الأشكال في الصور، فمنها على صورة الإنسان و منها على صورة غيره في الصور، فعبدوها و قرّبوا لها القرابين و نذروا لها النذور لشبهها عندهم بالباري تعالى و قربها منه، فأقاموا على ذلك برهة من الزمان و كثيرا من الأعصار حتى نبههم بعض ضلّالهم على أن الأفلاك و الكواكب أقرب الأجسام إلى الباري- تعالى عما يقول الجاهلون علوّا كبيرا، و أنها حيّة ناطقة و أن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب عن أمر اللَّه تعالى فعظّموها و قربوا لها القرابين لتنفعهم، و مكثوا على ذلك دهرا فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار و في بعض أوقات الليل بما يعرض في الجوّ من السواتر، أمرهم بعض من كان فيهم من ضلّالهم أن يجعلوا أصناما و تماثيل على صورها و أشكالها و هيآتها، فجعلوا لها أصناما بعدد الكواكب المشهورة المتحيّرة، فكل صنف منهم يعظم كوكبا منها و يقرب له نوعا من القربان. و لما طال عليهم العهد عبدوا الأصنام و ألغوا عبادة الكواكب، فلم