السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٦٧ - غزوة خيبر
و نهى (صلى اللّه عليه و سلم) عن متعة النساء. ففي مسلم عن علي رضي اللّه عنه «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) نهى عن متعة النساء يوم خيبر».
قال بعضهم: و الراجح أن النهي عن متعة النساء لم يكن في خيبر، فإنه شيء لم يعرفه أهل السير و لا رواه أهل الأثر، و يدل لذلك ما قيل إن ثنية الوداع إنما سميت بذلك، لأنهم فيها ودّعوا النساء اللاتي تمتعوا بهنّ في خيبر، أي و إنما كان تحريمها عام الفتح، أي و لا معارضة لأنه أحل بعد ذلك: أي بعد خيبر في عام الفتح، ثم حرم فيه بعد ثلاثة أيام كما سيأتي.
و قيل حرمت في حجة الوداع، و قيل في غزوة أوطاس، و هذا هو الصحيح، و سيأتي في غزوة الفتح الجمع بين هذه الأقوال.
قال السهيلي (رحمه اللّه): و أغرب ما روي في ذلك رواية من قال إن ذلك كان في غزوة تبوك. و في حديث خرجه أبو داود أن تحريم نكاح المتعة كان في حجة الوداع، و من قال من الرواة إنه كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن يقول إنه كان عام الفتح، هذا كلامه.
و عن إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه: لا أعلم شيئا حرم ثم أبيح ثم حرم إلا المتعة، أي فقد حرمت مرتين.
و نقل السهيلي (رحمه اللّه) و غيره عن بعضهم أنها أبيحت و حرمت ثلاث مرات.
و عن بعضهم أنها أبيحت و حرمت أربع مرات، و لينظر هذا مع قول بعضهم إن أوّل من حرم المتعة سيدنا عمر رضي اللّه عنه.
و قيل لم يحرمها (صلى اللّه عليه و سلم) مطلقا، بل عند الاستغناء عنها. و أباحها عند الحاجة إليها: أي عند خوف الزنا، و بذلك كان يفتي ابن عباس رضي اللّه عنهما.
و في كلام فقهائنا: و النهي عن نكاح المتعة في خبر الصحيحين الذي لو بلغ ابن عباس رضي اللّه عنهما لم يستمرّ على القول بإباحتها لمن خاف الزنا مخالفا في ذلك لكافة العلماء.
و قد وقعت مناظرة في المتعة بين القاضي يحيى بن أكثم و أمير المؤمنين المأمون؛ فإن المأمون نادى بإباحة المتعة، فدخل عليه يحيى بن أكثم و هو متغير اللون بسبب ذلك و جلس عنده، فقال له المأمون: ما لي أراك متغيرا؟ قال: لما حدث في الإسلام، قال: و ما حدث؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: المتعة زنا؟
قال: نعم المتعة زنا، قال: و من أين لك هذا؟ قال: من كتاب اللّه و سنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). أما الكتاب، فقد قال اللّه تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) [المؤمنون:
الآية ١] إلى قوله وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ