السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣١ - باب نبذة من خصائصه
لها، و أنها اختصت عن الأمم ما عدا الأنبياء بوصف الإسلام على الراجح كما تقدم لأنه لم يوصف بالإسلام أحد الأمم السالفة سوى الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، فقد شرفت بأن توصف بالوصف الذي توصف به الأنبياء تشريفا لها و تكريما لها، فقد قال زيد بن أسلم أحد أئمة السلف العالمين بالقرآن و التفسير: لم يذكر اللّه بالسلام غير هذه الأمة، أي و ما ورد مما يوهم خلاف ذلك مؤول.
و قد خصت هذه الأمة بخصائص لم تكن لأحد سواها إلا للأنبياء فقط، فمن ذلك الوضوء، فإنه لم يكن أحد يتوضأ إلا الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، فعن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه مرفوعا، في التوراة و الإنجيل وصف هذه الأمة أنهم يوضئون أطرافهم.
و في بعض الآثار: افترضت عليهم أن يتطهروا في كل صلاة كما افترضت على الأنبياء لكن تقدم في الحديث: «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) توضأ مرة مرة، فقال: هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين فقال: هذا وضوء الأمم من قبلكم، من توضأ مرة آتاه اللّه أجره مرتين، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، فقال: هذا وضوئي و وضوء الأنبياء من قبلي و وضوء خليلي إبراهيم (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)» و هذا الحديث كما ترى يقتضي مشاركة الأمم مع هذه الأمة في أصل الوضوء، و الاختصاص إنما هو بالتثليث، و تقدم الكلام على ذلك، أي و الغسل من الجنابة.
ففيما أوحى اللّه إلى داود عليه الصلاة و السلام في وصف هذه الأمة: «و أمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، و أن منها سبعين ألفا، مع كل واحد من هؤلاء السبعين ألفا سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، أي و بإجلال اللّه تعالى توقير المشايخ منهم، و أنهم اذا حضروا القتال في سبيل اللّه حضرتهم الملائكة لنصرة الدين، و أن الملائكة عليهم تنزل عليهم في كل سنة ليلة القدر تسلم عليهم، و أكل صدقاتهم في بطونهم، و إثابتهم عليها، و تعجيل الثواب في الدنيا مع ادخاره في الآخرة، كصلة الرحم فإنها تزيد في العمر و يثاب عليها في الآخرة و ما دعوا به استجيب لهم.
روى الترمذي (رحمه اللّه): «أعطيت هذه الأمة ما لم يعط أحد بقوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: الآية ٦٠]» و إنما يقال هذا للأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم).
و أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصلاة و السلام في وصف هذه الأمة «إن دعوني استجيب لهم، فإما أن يكون عاجلا، و إما أن أصرف عنهم سوءا، و إما أن أدخر لهم في الآخرة» و مخالطة الحائض سوى الوطء و ما ألحق به، و هو مباشرة ما بين سرتها و ركبتها، و تقدم وصفهم في الكتب القديمة بما لا ينبغي إعادته هنا لطوله.