السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠١ - باب ذكر نبذ من معجزاته
العمل بكتاب اللّه و سنة رسوله (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: و من ذلك؟ قال: أنت و أبوك و من أمركما.
قال: و أنت الذي تزعم أنك لا يضرك بشر؟ قال نعم. قال: لتعلمنّ اليوم أنك كاذب، ائتوني بصاحب العذاب، فمال قيس عند ذلك فمات.
و من ذلك قوله (صلى اللّه عليه و سلم) لزوجاته: «أيتكن تنبحها كلاب الحوأب؟ و أيتكن صاحبة الجمل الأديب» بالدال المهملة و الفك لغة في الأدب بالإدغام: و هو كثير الشعر «يقتل حولها قتلى كثير و تنجو بعد ما كادت» فكانت تلك عائشة رضي اللّه عنها، فإنه لما قتل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه كانت عائشة بمكة، لأنها خرجت إلى مكة و هو محاصر و كلمها مروان بن الحكم في عدم الخروج، و قال لها: لا تخرجي يا أماه، فجاء إليها طلحة و الزبير رضي اللّه عنهما بعد أن بايعا عليا على كره، و استأذنا عليا (كرم اللّه وجهه) في العمرة فأذن لهما فقدما مكة، و خرجت بنو أمية من المدينة و لحقت بمكة قبل المبايعة لعليّ، فخرج مروان و غيره من أهل المدينة، و جاء إلى عائشة رضي اللّه عنها يعلى بن أمية رضي اللّه عنه و كان عاملا لعثمان باليمن. فلما بلغه حصار عثمان قدم لنصرته فسقط من على بعيره في أثناء الطريق فكسر فخذه، و بلغه قتل عثمان، فلا زالوا بعائشة حتى وافقت على الخروج إلى العراق في طلب دم عثمان رضي اللّه عنه، و دفع لها ذلك الجمل يعلى بن أمية اشتراه بمائتي دينار، و أعان الزبير بأربعمائة ألف دينار، و صار يقول: من خرج في طلب دم عثمان فعليّ جهازه، فحمل سبعين رجلا من قريش، و طلبت عائشة رضي اللّه عنها عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أن يكون معها. فقال: معاذ اللّه أن أدخل في الفتنة، و يقال إن طلحة و الزبير دعوا عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهم إلى الخروج معهم، فقال لهم: أ ما تخافون اللّه أيها القوم، و تدعوا هذا الأباطيل عنكم؟ و كيف أضرب في وجه علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) بالسيف و قد عرفت فضله و سابقته و مكانته من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و إنكما بايعتماه و سألتماه القيام بهذا الأمر ثم نكثتما بعد أن جعل اللّه عليكما شهيدا، و إنه ما بدل و لا غير. و القاتل لعثمان رضي اللّه تعالى عنه أخو زعيمتكم و رئيستكم يعني بعائشة و أخوها محمد بن أبي بكر رضي اللّه عنهم، فإنه أخذ بلحيته فضربها حتى تقلقلت أضراسه و ضربه بالمشقص، فلما كانت عائشة رضي اللّه عنها في أثناء الطريق سمعت كلابا تنبح، فسألت عن ذلك المحل، فقيل لها: هذا الحوأب، فأرادت الرجوع لما تذكرت ما قال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). أي فإنها صرخت و أناخت بعيرها، و قالت: و اللّه أنا صاحبة الحوأب، ردوني ردوني ردوني. فعند ذلك يقال إن طلحة و الزبير أحضرا خمسين رجلا شهدوا أن هذا ليس بماء الحوأب، و أن المخبر لها كذاب.
قال الشعبي: و هي أول شهادة زورت في الإسلام، و قال لها الزبير رضي اللّه