السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩٢ - باب ذكر نبذ من معجزاته
في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار القرون الماضية و الأمم السالفة التي اشتمل عليها، أي و من كان من العرب يكتب و يقرأ و يجالس الأحبار لم يدرك علم ما أخبر به من القرآن خصوصا عن المغيبات المستقبلة الدالة على صدقه، لوقوعها على ما أخبر به.
و قد أعجز الفصحاء البلغاء، أي لحسن تأليفه و التآم كلماته، بهرت العقول بلاغته، و ظهرت على كل قول فصاحته، أحكمت آياته و فصلت كلماته، فحارت فيه عقولهم، و تبلدت فيه أحلامهم، و هم رجال النظم و النثر، و فرسان السجع و الشعر.
و قد جاء على وصف مباين لأوصاف كلامهم النثر لأن نظمه لم يكن كنظم الرسائل و الخطب و لا الأشعار و أسجاع الكهان و قد تحداهم و دعاهم إلى معارضته و الإتيان بأقصر سورة منه، أي و هو دليل قاطع على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يقل له ذلك إلا و هو واثق مستيقن أنهم لا يستطيعون ذلك، لكونه من عند اللّه، إذا يستحيل أن يقول (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك و هو يعلم أنه الذي تولى نظمه و لم ينزل عليه من عند اللّه، إذ لا يأمن أن يكون في قومه من يعارضه و هم أهل فصاحة و شعر و خطابة قد بلغوا الدرجة العليا في البلاغة، و هو من جنس كلامهم، فيصير كذابا، و لو كان في استطاعة أحد منهم ذلك لما عدلوا عن ذلك إلى المحاربة التي فيها قتل صناديدهم و نهب أموالهم و سبى ذراريهم، أي لأن النفوس إذا قرعت بمثل هذا استفرغت الوسع في المعارضة، فهو ممتنع في نفسه عن المعارضة، خلافا لمن قال إنما لم تقع المعارضة منهم لأن اللّه تعالى صرفهم عنها مع وجود قدرتهم عليها، لأنه و إن كان صرفهم عنها فيه إعجاز لكن الإعجاز في الأول أكمل و أتم، و هو اللائق بعظيم فضل القرآن.
و من ثم لما جاءه الوليد بن المغيرة و كان المقدم في قريش بلاغة و فصاحة، و كان يقال له ريحانة قريش كما تقدم، و قال له (صلى اللّه عليه و سلم): اقرأ عليّ، فقرأ (صلى اللّه عليه و سلم) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) [النّحل: الآية ٩٠] قال له أعده، فأعاد ذلك قال: و اللّه إن له الحلاوة، و إن عليه لطلاوة، و إن أعلاه لمثمر، و إن أسفله لمغدق، و ما يقول هذا بشر، و إنه ليعلو و لا يعلى عليه. و في رواية قرأ عليه حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ [غافر: الآيات ١- ٣] الآيات فانطلق حتى أتى منزل أهله بني مخزوم فقال: و اللّه كلام محمد ما هو من كلام الإنس و لا من كلام الجن إلى آخر ما تقدم، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: قد صبأ الوليد، و اللّه لتصبأنّ قريش كلها، فقال أبو جهل لعنه اللّه: أنا أكفيكموه، فقعد على هيئة الحزين فمر به الوليد، فقال له: ما لي أراك كئيبا؟ قال: و ما يمنعني أن أحزن، و هذه قريش قد جمعوا لك نفقة ليعينوك على أمرك، و زعموا أنك إنما زينت قول محمد لتصيب من فضل طعامه، فغضب الوليد و قال: أو ليس قد علمت قريش أني من أكثرهم مالا و ولدا،