السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٨٦ - حجة الوداع
من الأحاديث الصحيحة قالوا هذا خبر واحد لا يعني، و إذا أرادوا أن يستدلوا على ما زعموا أتوا بأخبار باطلة كاذبة لا تصل إلى درجة الأحاديث الضعيفة التي هي أدنى مراتب الآحاد التي منها أنه قال لعلي أخي و وصي و خليفتي في ديني بكسر الدال و خبر: أنت سيد المرسلين، و إمام المتقين، و قائد الغر المحجلين. و خبر: سلموا على عليّ بإمرة الناس، فإنها أحاديث كاذبة موضوعة مفتراة عليه، عليه أفضل الصلاة و السلام.
ثانيها: أن اسم المولى يطلق على عشرين معنى، منها: أنه السيد الذي ينبغي محبته و يجتنب بغضه، و يؤيد إرادة ذلك «أن سبب إيراد ذلك أن عليا (كرم اللّه وجهه) تكلم فيه بعض من كان معه باليمن من الصحابة و هو بريدة، قدم هو و إياه عليه (صلى اللّه عليه و سلم) في تلك الحجة التي هي حجة الوداع، و جعل يشكوه له (صلى اللّه عليه و سلم) لأنه حصل له منه جفوة، فجعل يتغير وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: يا بريدة لا تقع في علي، فإن عليا مني و أنا منه، أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قال: نعم يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من كنت مولاه فعليّ مولاه» فقال ذلك لبريدة خاصة. ثم لما وصل (صلى اللّه عليه و سلم) إلى غدير خم أحب أن يقول ذلك للصحابة عموما أي فكما عليهم أن يحبوني فكذلك ينبغي أن يحبوا عليا. و على تسليم أن المراد أنه أولى بالإمامة، فالمراد في المآل لا في الحال قطعا، و إلا لكان هو الإمام مع وجوده (صلى اللّه عليه و سلم)، و المآل لم يعين له وقت، فمن أن أنه عقب وفاته (صلى اللّه عليه و سلم)، و جاز أن يكون بعد أن يعقد له البيعة و يصير خليفة، و يدل لذلك أنه (كرم اللّه وجهه) لم يحتج بذلك إلا بعد أن آلت إليه الخلافة ردا على من نازعه فيها كما تقدم. فسكوته (كرم اللّه وجهه) عن الاحتجاج بذلك إلى أيام خلافته، قاض على كل من له أدنى عقل فضلا عن فهم بأنه لا نص في ذلك على إمامته عقب وفاته (صلى اللّه عليه و سلم).
ثالثها: أنه تواتر النقل عن علي (كرم اللّه وجهه)، أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم ينص عند موته على خلافة أحد لا هو و لا غيره، فقد قيل له (كرم اللّه وجهه) كما يأتي: حدثنا فأنت الموثوق به و المأمون على ما سمعت، فقال: لا و اللّه لئن كنت أول من صدّق به لا أكون أول من كذب عليه، لو كان عندي من النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عهد في ذلك ما تركت القتال على ذلك و لو لم أجد إلا بردتي هذه. و في رواية: ما تركت أخا نبي تيم و عدي يعني أبا بكر و عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما ينوبان على منبره (صلى اللّه عليه و سلم) و لقاتلتهما بيدي.
رابعها: أن لو كان هذا الحديث نصا على إمامته لم يسعه الامتناع من متابعة عمه العباس رضي اللّه تعالى عنه لما قال له العباس: اذهب بنا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فإن كان هذا الأمر فينا علمنا. و أيضا لو كان الحديث نصا لكان لما قالت الأنصار منا