السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧١ - حجة الوداع
فذهب إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) محرشا له عليها رضي اللّه تعالى عنها، فصدقها عليه الصلاة و السلام في أنه أمرها بذلك، أي فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال له: صدقت صدقت صدقت، أنا أمرتها بذلك يا علي.
و سأله سراقة بن مالك رضي اللّه تعالى عنه فقال: يا رسول اللّه متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد: فشبك (صلى اللّه عليه و سلم) أصابعه فقال: بل الأبد «دخلت العمرة في الحج هكذا إلى يوم القيامة» أي و في رواية: «فشبك بين أصابعه واحدة في أخرى و قال: دخلت العمرة في الحج هكذا مرتين بل لأبد الأبد» بالإضافة أي إلى آخر الدهر، و هذا الجواب بقوله دخلت العمرة في الحج يدل على أن المراد السائل بالتمتع القران لا حقيقته الذي هو الإحرام بالحج بعد الفراغ من عمل العمرة، لكن قول بعضهم: لما كان آخر سعيه (صلى اللّه عليه و سلم) على المروة قال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي و جعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل و ليجعلها عمرة، فقام سراقة فقال: يا رسول اللّه أ لعامنا هذا أم للأبد» الحديث، يدل على أن مراده بالتمتع حقيقته، لكن لا يحسن الجواب بقوله دخلت العمرة في الحج، إلا أن يقال المراد حصلت العمرة مع الإحرام بالحج لقلب الإحرام بالحج إلى العمرة لأن هذا كله يدل على أنه أمر من أحرم بالحج ممن لا هدي معه أن يقلب إحرامه عمرة.
و أجاب عنه أئمتنا بأن ذلك: أي فسخ الحج إلى العمرة كان من خصائص الصحابة في تلك السنة ليخالفوا ما كان عليه الجاهلية: من تحريم العمرة في أشهر الحج و يقولون إن من أفجر الفجور، و بهذا قال أبو حنيفة و مالك و إمامنا الشافعي و جماهير العلماء من السلف و الخلف رضي اللّه عنهم.
و في مسلم عن أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه: «لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا لأصحاب محمد (صلى اللّه عليه و سلم)» و خالف الإمام أحمد رضي اللّه عنه و طائفة من أهل الظاهر فقالوا: بل هذا ليس خاصا بالصحابة في تلك السنة، أي بل باق لكل أحد يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بالحج و ليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة و يتحلل بأعمالها.
و بعضهم قال: إن قول سراقة رضي اللّه تعالى عنه معناه أن جواز العمرة في أشهر الحج خاصة بهذه السنة أو جائزة إلى يوم القيامة، و فيه أنه لا يحسن الجواب عنه بما تقدم من قوله: «دخلت العمرة في الحج».
ثم نهض (صلى اللّه عليه و سلم) و نهض معه الناس يوم التروية الذي هو اليوم الثامن إلى منى و أحرم بالحج كل من كان أحل، فصلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الظهر بمنى، و العصر و المغرب و العشاء، و بات بها تلك الليلة أي و كانت ليلة الجمعة و صلى بها الصبح ثم نهض بعد طلوع الشمس إلى عرفة. و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) أن تضرب له قبة من شعر بنمرة، فأتى