السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٨٥ - سرية عيينة بن حصن الفزاري رضي اللّه تعالى عنه إلى بني تميم
فقال: يا رسول اللّه لي من الولد عشرة ما قبلت واحدا منهم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
«من لا يرحم لا يرجم».
قال ابن دريد (رحمه اللّه): اسم الأقرع نواس، و إنما لقب الأقرع لقرع كان في رأسه، و القرع: انحصاص الشعر. و كان رضي اللّه تعالى عنه شريفا في الجاهلية و الإسلام، و نزل فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) [الحجرات: الآية ٤- ٥].
و وقع أن عمرو بن الأهتم مدح الزبرقان للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: إنه لمطاع في أنديته، سيد في عشيرته، فقال الزبرقان: لقد حسدني يا رسول اللّه لشرفي، و قد علم أفضل مما قال، فقال عمرو: إنه لزمن المروءة، ضيق العطن، لئيم الخال. و في لفظ أن الزبرقان قال: يا رسول اللّه أنا سيد تميم، و المطاع فيهم، و المجاب منهم، آخذ لهم بحقوقهم، و أمنعهم من الظلم و هذا يعلم ذلك، يعني عمرو بن الأهتم، فقال عمرو:
إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في ناديه، مانع لما وراء ظهره، فقال الزبرقان: و اللّه لقد كذب يا رسول اللّه، و ما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو:
أنا أحسدك؟ و اللّه إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مبغض في العشيرة، فعرف عمرو الإنكار في وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه، و اللّه لقد صدقت في الأولى و ما كذبت في الثانية، رضيت فقلت أحسن ما عملت، و سخطت فقلت أقبح ما عملت. و في رواية: و اللّه يا رسول اللّه لقد صدقت فيهما، أرضاني فقلت أحسن ما عملت، و أسخطني فقلت أسوأ ما علمت، فعند ذلك قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «إن من البيان لسحرا» و جاء: «إن من البيان سحرا، و إن من العلم جهلا، و إن من الشعر حكما، و إن من القول عيا».
قال بعضهم: أما قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «إن من البيان سحرا» فإن الرجل يكون عليه الحق و هو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق. و أما قوله:
«إن من العلم جهلا» فإن العالم يكلف ما لا يعلم فيجهله ذلك. و أما قوله: «إن من الشعر حكما» فهو هذه المواعظ و الأمثال. و أما قوله: «و إن من القول عيا» فعرضك كلامك و حديثك على من ليس من شأنه، هذا كلامه.
و فيه إن هذا بيان للسحر المذموم، و ليس المراد هنا و إنما هو من السحر الحلال، و من ثم أقرّ (صلى اللّه عليه و سلم) عمرو بن الأهتم عليه و لم يسخطه منه، فالسحر المذموم أن يصوّر الباطل في صورة الحق ببيانه، و يخدع السامع بتمويهه و هو المراد عند الإطلاق، و السحر غير المذموم فما كان من البيان على حق، لأن البيان بعبارة مقبولة عذبة لا استكراه فيها تستميل القلوب كما يستميل الساحر قلوب الحاضرين إلى ما موّه به.