السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٠١ - غزوة تبوك
فيه شيئا، فقال: من سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له فلان و فلان و فلان، فقال أو لم أنههم أن يستقوا منه شيئا حتى آتيه، ثم لعنهم و دعا عليهم، ثم نزل (صلى اللّه عليه و سلم) فوضع يده تحت الوشل فصار يصب في يده ما شاء اللّه أن يصب ثم نضحه و مسح بيده و دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بما شاء أن يدعو به فانخرق من الماء و كان له حس كحس الصواعق، فشرب الناس و استقوا حاجتهم منه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لئن بقيتم أو بقي منكم أحد لتسمعن بهذا الوادي و قد أخصب ما بين يديه و ما خلفه. أي و هذا خلاف عين تبوك الذي تقدم له (صلى اللّه عليه و سلم) فيها ما يشبه هذا، و قوله لمعاذ: «يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى هاهنا ملئ جنانا» إلى آخره، لأن تلك العين كانت بتبوك، و هذا عند منصرفه من تبوك.
قال: و اجتمع رأي من كان معه (صلى اللّه عليه و سلم) من المنافقين و هم اثنا عشر رجلا و قيل أربعة عشر، و قيل خمسة عشر رجلا على أن ينكثوا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في العقبة التي بين تبوك و المدينة، فقالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي فأخبر اللّه تعالى رسوله بذلك، فلما وصل الجيش العقبة نادى منادي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يريد أن يسلك العقبة فلا يسلكها أحد و اسلكوا بطن الوادي فإنه أسهل لكم و أوسع، فسلك الناس بطن الوادي، و سلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) العقبة، فلما سمعوا بذلك استعدوا و تلثموا، و سلكوا العقبة، و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) عمار بن ياسر رضي اللّه تعالى عنه أن يأخذ بزمام الناقة يقودها، و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) حذيفة بن اليمان رضي اللّه تعالى عنهما أن يسوق من خلفه.
و في الدلائل عن حذيفة قال: «كنت ليلة العقبة آخذا بخطام ناقة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أقود به و عمار بن ياسر يسوقه أو أنا أسوقه و عمار يقوده» أي يتناوبان ذلك «فبينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يسير في العقبة إذ سمع حس القوم قد غشوه، فنفرت ناقة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى سقط بعض متاعه، فغضب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أمر حذيفة أن يردهم، فرجع حذيفة إليهم و قد رأى غضب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و معه محجن، فجعل يضرب به وجوه رواحلهم و قال: إليكم إليكم يا أعداء اللّه فإذا هو بقوم ملثمين» و في رواية: «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صرخ بهم فولوا مدبرين، فعلموا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اطلع على مكرهم به، فانحطوا من العقبة مسرعين إلى بطن الوادي و اختلطوا بالناس، فرجع حذيفة يضرب الناقة، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): هل عرفت أحدا من الركب الذين رددتهم؟ قال: لا، كان القوم ملثمين و الليلة مظلمة».
و عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي اللّه تعالى عنه أنه كان يقول: «لما سقط متاع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أردت جمعه نوّر لي في أصابعي الخمس فأضاءت حتى جمعت ما سقط حتى ما بقي من المتاع شيء» و في لفظ: «أن حذيفة رضي اللّه تعالى عنه قال: