السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٩٤ - عمرة القضاء أي و يقال لها عمرة القضية
قال: و ذكر أن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه قال: مه يا بن رواحة بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و في حرم اللّه تقول الشعر؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): خلّ عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نضح النبل.
و ذكر أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: إيها يا بن رواحة: «قل لا إله إلا اللّه وحده. صدق وعده.
و نصر عبده. و أعز جنده. و هزم الأحزاب وحده» فقالها و قالها الناس، أي و في الإمتاع: و كان ابن رواحة يرتجز في طوافه و هو آخذ بزمام الناقة، فقال عليه الصلاة و السلام: إيها يا بن رواحة «قل: لا إله إلا اللّه وحده. صدق وعده. و نصر عبده.
و أعز جنده و هزم الأحزاب وحده» فقالها و قالها الناس، و طاف (صلى اللّه عليه و سلم) على راحلته، و استلم الحجر بمحجنه.
و ذكر أنه (صلى اللّه عليه و سلم) دخل البيت، فلم يزل به حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة، فقال عكرمة بن أبي جهل: لقد أكرم اللّه تعالى أبا الحكم: يعني والده أبا جهل، حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول. و قال صفوان بن أمية: الحمد للّه الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا، و قال خالد بن أسيد: الحمد للّه الذي أذهب أبي و لم يشهد هذا اليوم، حيث يقوم بلال ينهق فوق الكعبة، و سهيل بن عمرو لما سمع ذلك غطى وجهه، و كل هؤلاء أسلموا بعد ذلك رضي اللّه تعالى عنهم.
قال بعضهم: و كون ما ذكر: أي من دخوله (صلى اللّه عليه و سلم) داخل الكعبة و أذان بلال رضي اللّه تعالى عنه فوق ظهرها كان في عمرة القضاء خلاف المشهور، إذ المشهور أن ذلك كان في يوم الفتح، و يدلّ لذلك ما قيل: لم يدخل (صلى اللّه عليه و سلم) الكعبة و أنه أراد ذلك فأبوا و قالوا لم يكن في شرطك، فأمر بلال فأذن فوق ظهر الكعبة مرة واحدة و لم يعد بعدها، قال الواقدي: في هذا القيل إنه أثبت.
أقول: و يؤيد الأول ما جاء «دخلت الكعبة و لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي من بعدي» أي لاتخاذهم ذلك سنة، إلا أن يقال يجوز أن يكون ذلك كان منه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم فتح مكة، و ينبغي أن يكون هذا من أعلام النبوة، فإن الناس يحصل لهم من التعب بسبب دخولها سيما زمن الموسم ما لا يعبر عنه من المتاعب و الأمور الفظيعة، و اللّه أعلم.
ثم سعى (صلى اللّه عليه و سلم) بين الصفا و المروة، أي و أوقف الهدي عند المروة، و قال «هذا المنحر و كل فجاج مكة منحر فنحر عندها و حلق» و لم أقف على من حلق رأسه الشريف في هذه العمرة. ثم رأيته في الإمتاع قال: حلقه معتمر بن عبد اللّه العدوي و فعل كفعله (صلى اللّه عليه و سلم) المسلمون، أي و من لم يجد منهم بدنة رخص له في البقرة، و كان قدم رجل مكة ببقر فاشتراه الناس منه، و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) من تحلل أن يذهب إلى السلاح و يأتي آخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا.