السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩٩ - باب يذكر فيه مدة مرضه، و ما وقع فيه، و وفاته
بين اللّه و رسله عليهم الصلاة و السلام، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لملك الموت: امض لما أمرت به فقبض روحه الشريفة، و عند اشتداد الأمر به (صلى اللّه عليه و سلم) أرسلت عائشة رضي اللّه عنها خلف أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، أي لأنه كما تقدم لما رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مفيقا و قال له قد رد اللّه بك علينا عقولنا، و قد أصبحت بنعمة من اللّه و فضل فقال له أبو بكر: يا رسول اللّه اليوم يوم بنت خارجة يعني زوجته و كانت بالسنح، قال له:
ائت أهلك، فقام أبو بكر و ذهب و أرسلت حفصة خلف عمر و أرسلت فاطمة خلف علي (كرم اللّه وجهه) فلم يجىء أحد منهم حتى توفي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو في صدر عائشة، و ذلك يوم الاثنين حين زاغت الشمس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول هكذا ذكر بعضهم.
و قال السهيلي: لا يصح أن يكون وفاته يوم الاثنين إلا في ثالث عشرة أو رابع عشرة لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة كانت يوم الجمعة و هو تاسع ذي الحجة و كان المحرم إما بالجمعة و إما بالسبت، فإن كان السبت فيكون أول صفر إما الأحد أو الاثنين فعلى هذا لا يكون الثاني عشر من ربيع الأول بوجه. و قال الكلبي: إنه توفي في الثاني من شهر ربيع الأول. قال الطبري: و هذا القول و إن كان خلاف الجمهور فلا يبعد إن كانت الثلاثة أشهر التي قبلها كلها تسعة و عشرين يوما، و فيما قاله نظر لمتابعة أنس بن مالك فيما حكاه البيهقي و الواقدي.
و قال الخوارزمي: توفي أول شهر من ربيع الأول، و في رواية إن سالم بن عبيد ذهب وراء الصديق إلى السنح فأعلمه بموت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لا يخالف ما قبله لأنه يجوز أن يكون ذلك ذهب إلى الصديق بعد الرسول الذي أرسلته له عائشة رضي اللّه عنها قبل موته (صلى اللّه عليه و سلم). و آخر ما تكلم به عليه الصلاة و السلام: «الصلاة الصلاة و ما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يترعرع بها في صدره و لا يفيض بها لسانه. و آخر ما عهد به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «لا يترك بجزيرة العرب دينان» و كانت مدة شكواه (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاث عشرة ليلة، و قيل أربع عشرة ليلة، و قيل اثنتي عشرة ليلة، و قيل عشرا، و قيل ثمانية.
و قالت فاطمة رضي اللّه عنها لما توفي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): وا أبتاه أجاب داع دعاه، يا أبتاه الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
قال ابن كثير (رحمه اللّه): و هذا لا يعد نياحة بل هو من ذكر فضائل الحق عليه، عليه أفضل الصلاة و السلام؟ قال: و إنما قلنا ذلك لأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) نهى عن النياحة.
و عن عائشة رضي اللّه عنها: أنها قالت من سفاهة رأيي و حداثة سني أني أخذت وسادة فوسدت بها رأسه الشريف من حجري، ثم قمت مع النساء أبكي