السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩٤ - باب يذكر فيه مدة مرضه، و ما وقع فيه، و وفاته
خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عاصبا رأسه إلى صلاة الصبح أبو بكر يصلي بالناس، فلما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فرح الناس، فعرف أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه أن الناس لم يصيبوا ذلك إلا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فنكص عن مصلاه، فدفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في ظهره، و قال:
صل بالناس و جلس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى جنبه على يمين أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه فصلى قاعدا، فلما فرغ (صلى اللّه عليه و سلم) من الصلاة أقبل على الناس رافعا صوته حتى خرج من باب المسجد يقول: «أيها الناس سعرت النار، و أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، إني و اللّه ما تمسكون عليّ بشيء، إني لم أحل إلا ما حل القرآن و لم أحل إلا ما حرم القرآن».
و لما فرغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من كلامه، قال له أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يا رسول اللّه قد أراك أصبحت بنعمة من اللّه و فضل كما تحب، و اليوم يوم بنت خارجة أ فآتيها؟ قال نعم، ثم دخل (صلى اللّه عليه و سلم)، و خرج أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه إلى أهله بالسنح، فتوفي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين اشتد الضحى من ذلك اليوم، فليتأمل الجمع بين هذه الروايات. و قد أمر (صلى اللّه عليه و سلم) أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه أن يصلي بالناس قبل مرضه، فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) خرج إلى قباء بعد أن صلى الظهر و قد وقع بين طائفتين من بني عمرو بن عوف تشاجر حتى تراموا بالحجارة ليصلح بينهم، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لبلال رضي اللّه تعالى عنه: إن حضرت صلاة العصر و لم آتك فمر أبا بكر فليصلّ بالناس، فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال، ثم أقام ثم أمر أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه فتقدم و صلى بالناس، فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر فصفح الناس: أي صفقوا، فلما كثر ذلك التفت أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه، فرأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خلفه فأراد التأخر، فأومأ إليه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يكون على حاله، و تقدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فصلى بالناس، فلما قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صلاته؟ قال: يا أبا بكر ما يمنعك إذ أومأت إليك أن لا تكون ثبتّ، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال للناس: إذا نابكم في صلاتكم شيء فلتسبح الرجال و لتصفق النساء.
و هذا استدل به القاضي عياض (رحمه اللّه) على أنه لا يجوز لأحد أن يؤمه (صلى اللّه عليه و سلم)، لأنه لا يصلح للتقدم بين يديه (صلى اللّه عليه و سلم) في الصلاة و لا في غيرها لا لعذر و لا لغيره.
و قد نهى اللّه المؤمنين عن ذلك، و لا يكون أحد شافعا له (صلى اللّه عليه و سلم): و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم) «أئمتكم شفعاؤكم» و حينئذ يحتاج للجواب عن صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) خلف عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه ركعة، و سيأتي الجواب عن ذلك، و لعل هذه المرة كانت في اليوم الذي توفي فيه (صلى اللّه عليه و سلم).
فقد جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى بالناس الغداة، و رأى المسلمون أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قد برىء ففرحوا