السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٨٨ - باب يذكر فيه مدة مرضه، و ما وقع فيه، و وفاته
و واساني. أي و لعل قولهم و ترك باب خليله لا ينافي ما تقدم من عدم اتخاذه خليلا.
و روي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما أمر بسد الأبواب إلا باب أبي بكر، قال عمر: يا رسول اللّه دعني أفتح كوة أنظر إليك حيث تخرج إلى الصلاة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لا، و قال العباس بن عبد المطلب: يا رسول اللّه ما بالك فتحت أبواب رجال في المسجد يعني أبا بكر و ما بالك سددت أبوب رجال في المسجد؟ فقال: يا عباس ما فتحت عن أمري و لا سددت عن أمي. و في لفظ: ما أنا سددتها، و لكن اللّه سدها.
و جاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر بسد الأبواب إلا باب علي. قال الترمذي حديث غريب. و قال ابن الجوزي: هو موضوع وضعه الرافضة ليقابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر. و جمع بعضهم بأن قصة علي متقدمة على هذا الوقت، و أن الناس كان لكل بيت بابان باب يفتح و باب يفتح خارجه إلا بيت علي (كرم اللّه وجهه)، فإنه لم يكن له إلا باب من المسجد، و ليس له باب من خارج، فأمر (صلى اللّه عليه و سلم) بسد الأبواب: أي التي تفتح للمسجد. أي بتضييقها و صيرورتها خوخا إلا باب علي (كرم اللّه وجهه)، فإن عليا لم يكن له إلا باب واحد ليس له طريق غيره كما تقدم، فلم يأمر (صلى اللّه عليه و سلم) بجعله خوخة، ثم بعد ذلك أمر (صلى اللّه عليه و سلم) بسد الخوخ إلا خوخة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه.
و قول بعضهم حتى خوخة علي (كرم اللّه وجهه)، فيه نظر لما علمت أن عليا (كرم اللّه وجهه) لم يكن له إلا باب واحد، فالباب في قصة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه ليس المراد به حقيقته بل الخوخة. و في قصة علي (كرم اللّه وجهه) المراد به حقيقته.
أقول: و مما يدل على ما تقدم قصة علي (كرم اللّه وجهه) ما روي عنه قال:
«أرسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أبي بكر أن سد بابك، قال: سمعا و طاعة فسد بابه، ثم أرسل إلى عمر، ثم أرسل إلى العباس بمثل ذلك ففعلا، و أمرت الناس ففعلوا، و امتنع حمزة، فقلت: يا رسول اللّه قد فعلوا إلا حمزة، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): قل لحمزة فليحول بابه، فقلت: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يأمرك أن تحول بابك فحوله، و عند ذلك قالوا: يا رسول اللّه سددت أبوابنا كلها إلا باب علي، فقال: ما أنا سددت أبوابكم و لكن اللّه سدها» و في رواية: «ما أنا سددت أبوابكم و فتحت باب عليّ و لكن اللّه فتح باب عليّ و سد أبوابكم».
و جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) خطب الناس فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: أما بعد، فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيكم قائلكم، و إني و اللّه ما سددت شيئا و لا فتحته، و لكني أمرت بشيء فاتبعته، إنما أنا عبد مأمور ما أمرت به فعلت إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ [يونس: الآية ١٥] و معلوم أن حمزة رضي اللّه تعالى عنه قتل يوم أحد، فقصة علي (كرم اللّه وجهه) متقدمة جدا على قصة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه.