السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٨٦ - باب يذكر فيه مدة مرضه، و ما وقع فيه، و وفاته
و في رواية عنها أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث إلى النساء في مرضه فاجتمعن، فقال:
إني لا أستطيع أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذن لي فأكون في بيت عائشة فعلتن:
فأذن له قالت: فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يمشي بين رجلين من أهله معتمدا عليهما الفضل بن العباس و رجل آخر، و في رواية بين عباس بن عبد المطلب و بين رجل آخر، و في رواية بين أسامة و رجل آخر عاصبا رأسه الشريف تخط قدماه الأرض حتى دخل بيتي، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: الرجل الذي لم تمسه علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه)، أي فإنه كان بينها و بين عليّ ما يقع بين الأحماء، و قد صرحت بذلك لما أرادت أن تتوجه من البصرة بعد انقضاء وقعة الجمل و خرج الناس و من جملتهم علي (كرم اللّه وجهه) لتوديعها، حيث قالت: و اللّه ما كان بيني و بين عليّ في القديم إلا ما يكون بين المرأة و أحمائها فقال عليّ: أيها الناس صدقت و اللّه و برت، ما كان بيننا و بينها إلا ذلك، و إنها لزوجة نبيكم في الدنيا و الآخرة، و قد تقدم ذلك.
ثم غمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و اشتد به وجعه، فقال: هريقوا عليّ من سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم، فأقعدناه (صلى اللّه عليه و سلم) في مخضب إناء من حجر ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم، و في لفظ: حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن: أي وصب المياه المذكورة له دخل في دفع السم. أي فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) صار يقول لعائشة: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أسممته بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم. فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عاصبا رأسه الشريف حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد، أي دعا لهم فأكثر الصلاة عليهم و استغفر لهم. ثم قال: إن عبدا من عباد اللّه خيره اللّه بين الدنيا و بين ما عنده؟ فاختار ذلك العبد ما عند اللّه، ففهمها أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه و عرف أن نفسه يريد. أي فبكى أبو بكر فقال: نفديك بأنفسنا و أبنائنا. فقال: «على رسلك يا أبا بكر». أي و في رواية قال: «يا أبا بكر لا تبك، أيها الناس إن أمنّ الناس عليّ في صحبته و ماله أبو بكر» و هذا حديث صحيح جاء عن بضعة عشر صحابيا، و لكثرة طرقه عدّ من المتواتر.
و في أخرى: «إن أعظم الناس عليّ منا في صحبته و ذات يده أبو بكر» و في أخرى: «فإني لا أعلم امرأ أفضل عندي يدا في الصحابة من أبي بكر».
و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها. قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ما من نبي يموت حتى يخير بين الدنيا و الآخرة» أي و في الحديث «حياتي خير لكم، و مماتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم، فإن رأيت شرا استغفرت لكم» أي و هذا بيان للثاني لاستغناء الأول عن البيان، و معلوم أن خيرا و شرا هنا ليسا أفعل تفضيل الذي يوصل بمن حتى يلزم التناقض، بل المراد أن ذلك فضيلة، ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): انظروا هذه الأبواب