السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٤ - حجة الوداع
عينه بعد إحرامه أي و هو ما تقدم عن إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه. و من قال أفرد الحج، أراد به أنه أتى بأعمال الحج و لم يفرد للعمرة أعمالا، و هذا محمل ما في بعض الروايات، و أفرد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الحج و لم يعتمر. على أن بعض الحفاظ قال:
إنه حديث غريب جدا، و فيه نكارة شديدة.
ثم لبى (صلى اللّه عليه و سلم) أي بعد أن استقبل القبلة فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك.
و روي أنه زاد على ذلك لبيك إله الخلق لبيك: أي و روي أنه زاد: لبيك حقا، تعبدا ورقا على تلبيته المذكورة و الناس معه يزيدون فيها و ينقصون لم ينكر عليهم، و به استدل أئمتنا على عدم كراهة الزيادة على تلبيته المشهورة المتقدمة فكان ابن عمر رضي اللّه عنهما يزيد فيها: لبيك، لبيك و سعديك، و الخير في يديك، لبيك و الرغباء إليك و العمل.
و أتاه (صلى اللّه عليه و سلم) جبريل عليه الصلاة و السلام، و أمره أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية من شعائر الحج، فعن زيد بن خالد الجهني رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «أتاني جبريل عليه الصلاة و السلام، فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج».
و استعمل (صلى اللّه عليه و سلم) على المدينة أبا دجانة رضي اللّه عنه، و قيل سباع بن عرفطة رضي اللّه عنه و ولدت أسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما ولدها محمد بن أبي بكر رضي اللّه عنهم في ذي الحليفة، و أرسلت إليه (صلى اللّه عليه و سلم) فأمرها أن تغتسل و تستثفر، أي بخرقة عريضة بعد أن تحشو بنحو قطن، و تربط طرفي تلك الخرقة في شيء تشده في وسطها لتمنع بذلك سيلان الدم كما تفعل الحائض و تحرم.
ثم حاضت سيدتنا عائشة رضي اللّه عنها في أثناء الطريق بمحل يقال له سرف بكسر الراء، و كانت قد أحرمت بعمرة، ففي البخاري: «أنها قالت: و كنت فيمن أهلّ بعمرة فأمرها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن تغتسل و تدخل الحج على العمرة».
أقول: و قد جاء: «أنها قالت: دخل علي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا عائشة؟» و في لفظ «ما يبكيك يا هنتاه؟ لعلك نفست: أي حضت، قلت:
نعم: و اللّه لوددت أني لم أخرج معكم عامي هذا في هذا السفر، قال: لا تقولين ذلك، فهذا شيء كتبه اللّه على بنات آدم».
أي و استدل البخاري (رحمه اللّه) بهذا على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، و أنكر به على من قال إن الحيض أول ما وقع في بني إسرائيل، و في لفظ: «قال: ما شأنك؟ قلت: لا أصلي، قال: لا ضير عليك، إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب