السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٥٩ - ذكر كتابه
هشمت أنفه، أو قال لم فقأت عينه؟ فقال: يا أمير المؤمنين تعمد حلّ إزاري، و لو لا حرمة البيت، لضربت عنقه بالسيف، فقال له عمر: إما أنت فقد أقررت، أما أن ترضيه و إلا أقدته منك. و في رواية: و حكم إما بالعفو أو بالقصاص، فقال جبلة فتصنع بي ما ذا؟ قال: مثل ما صنعت به. و في رواية: أ تقتص له مني سواء و أنا ملك و هذا سوقي؟ فقال له عمر رضي اللّه تعالى عنه: الإسلام سوى بينكما، و لا فضل لك عليه إلا بالتقوى، فقال: إن كنت أنا و هذا الرجل سواء في الدين فأنا أتنصر، فإني كنت أظن يا أمير المؤمنين أني أكون في الإسلام أعزمني في الجاهلية، فقال له عمر رضي اللّه تعالى عنه: إذا أضرب عنقك، فقال فأمهلني الليلة حتى أنظر في أمري، قال: ذلك إلى خصمك فقال الرجل: أمهلته يا أمير المؤمنين، فأذن له عمر رضي اللّه تعالى عنه في الانصراف، ثم ركب في بني عمه و هرب إلى القسطنطينية أي فدخل على هرقل و تنصر هناك و مات على ذلك. و قيل عاد إلى الإسلام و مات مسلما.
و كان جبلة رجلا طوالا طوله اثنا عشر شبرا، و كان يمسح الأرض برجليه و هو راكب، فسرّ هرقل به، و زوجه ابنته، و قاسمه ملكه، و جعله من سماره، و بنى له مدينة بين طرابلس و اللاذقية سماها جبلة باسمه يقال إن فيها قبر إبراهيم بن أدهم.
و قيل المحاكمة كانت عند أبي عبيدة بن الجراح رضي اللّه تعالى عنه. أي فقد ذكر بعضهم أن جبلة لم يزل مسلما حتى كان في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، فبينما هو في سوق دمشق إذ وطىء رجلا من مزينة فوثب المزني فلطم خدّ جبلة، فأرسله مع جماعة من قومه إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقالوا: هذا لطم جبلة، قال: فليلطمه، قالوا: ما يقبل، قال: لا، يقبل، قالوا: إنما تقطع يده، قال:
لا، إنما أمر اللّه بالقود، فلما بلغ جبلة ذلك، قال: أ ترون أني جاعل وجهي ندا لوجه؟ بئس الدين هذا، ثم ارتد نصرانيا و ترحل بقومه حتى دخل أرض الروم على هرقل.