السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٥٨ - ذكر كتابه
جنود فارس، و أظهر اللّه تعالى الروم على فارس، ففرشوا له بسطا و نثروا عليها الرياحين و هو يمشي عليها حتى بلغ بيت المقدس فجاء إليه كتاب قيصر: أي و الذي فيه أنه يلهو عنه و لا يذكره و أنا مقيم فدعاني و قال متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟
قلت: غدا، فأمر لي بمائة مثقال ذهبا، و وصلني حاجبه بنفقة و كسوة، و قال لي ذلك الحاجب: اقرأ على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مني السلام و أخبره أني متبع دينه.
قال شجاع: فقدمت على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبرته بما كان من الحارث، قال باد: أي هلك ملكه، و أقرأته السلام من الحاجب و أخبرته بما قال، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صدق.
و في كلام بعضهم و بعض أهل السير على أن الحارث أسلم، و لكن قال:
أخاف أن أظهر إسلامي فيقتلني قيصر. و ذكر ابن هشام و غيره أن شجاع بن وهب إنما توجه إلى جبلة بن الأيهم.
و يقال إن شجاع بن وهب أرسل إلى الحارث و إلى جبلة بن الأيهم، و إن شجاعا قال له: يا جبلة إن قومك نقلوا هذا النبي من داره إلى دارهم، يعني الأنصار، فآووه و منعوه و نصروه، و إن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك و لكنك ملكت الشام و جاورت الروم، و لو جاورت كسرى دنت بدين الفرس، فإن أسلمت أطاعتك الشام و هابتك الروم و إن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا و كانت لك الآخرة، و قد كنت استبدلت المساجد بالبيع، و الأذان بالناقوس، و الجمع بالشعانين، و كان ما عند اللّه خير و أبقى. قال جبلة: إني و اللّه لوددت أن الناس اجتمعوا على هذا النبي اجتماعهم على من خلق السموات و الأرض، و قد سرّني اجتماع قومي له، و قد دعاني قيصر إلى قتال أصحابه يوم مؤتة فأبيت عليه، و لكني لست أرى حقا و لا باطلا و سأنظر.
و في كلام بعضهم أنه أسلم ورد جواب كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أعلمه بإسلامه، و أرسل الهدية، و كان ثابتا على إسلامه لزمن عمر رضي اللّه عنه فإنه حج في خلافته.
أي و في كلام بعضهم: لما أسلم جبلة بن الأيهم في أيام عمر رضي اللّه عنه كتب إليه يخبره بإسلامه و يستأذنه في القدوم عليه، فسرّ عمر بذلك، و أذن له، فخرج في خمسين و مائتين من أهل بيته، حتى إذا قارب المدينة عمد إلى أصحابه فحملهم على الخيل، و قلدها بقلائد الذهب و الفضة، و ألبسها الديباج و سرف الحرير، و وضع تاجه على رأسه، فلم تبق بكر و لا عانس إلا خرجت تنظر إليه و إلى زيه و زينته. فلما دخل على عمر رضي اللّه تعالى عنه رحب به و أدنى مجلسه، و أقام بالمدينة مكرما، فخرج عمر رضي اللّه تعالى عنه حاجا فخرج معه و حين تطوف بالبيت وطىء رجل من فزارة إزاره فانحل، فلطم الفزاري لطمة هشم بها أنفه و كسر ثناياه، أي و يقال فقأ عينه، فشكا الفزاري ذلك إلى عمر رضي اللّه تعالى عنه، فاستدعاه و قال له: لم