السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٠ - غزوة الحديبية
اللّه وجهه، و منعاه أن يكتب إلا محمد رسول اللّه و إلا فالسيف بيننا و بينهم، و ضجت المسلمون و ارتفعت الأصوات، و جعلوا يقولون: لم نعط هذه الدنية في ديننا؟ فجعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يخفضهم و يومىء بيده إليهم أن اسكتوا، ثم قال: أرنيه الحديث، و كان الصلح على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، و قيل سنتين، و قيل أربع سنين، أي و صححه الحاكم- تأمن فيه الناس و يكفّ بعضهم عن بعض. أي و يقال لهذا العقد هدنة و مهادنة و موادعة و مسالمة. و قال زيادة على اشتراط الكف عن الحرب على أنه من أتى محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) من قريش ممن هو على دين محمد بغير إذن وليه رده إليه ذكرا كان أو أنثى.
قال السهيلي (رحمه اللّه): و في رد المسلم إلى مكة عمارة للبيت و زيادة خير له في الصلاة بالمسجد الحرام و الطواف بالبيت، فكان هذا من تعظيم حرمات اللّه، هذا كلامه. و من أتى قريشا ممن كان مع محمد: أي مرتدا ذكرا كان أو أنثى لم نردّه إليه.
و هذا الثاني يوافق قول أئمتنا معاشر الشافعية يجوز شرط أن لا يردوا من جاءهم مرتدا و الأول يخالف قولهم: لا يجوز شرط رد مسلمة تأتينا منهم، فإن شرط فسد الشرط و العقد، إلا أن يقال هذا ما وقع عليه الأمر أولا ثم نسخ كما سيأتي، و شرطوا أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد و عهده دخل فيه، و من أحب أن يدخل في عقد قريش و عهدهم دخل فيه و أن بيننا و بينكم عيبة مكفوفة: أي صدورا منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة؛ و قيل صدورا نقية من الغلّ و الخداع منطوية على الوفاء بالصلح؛ و أنه لا إسلال و لا إغلال: أي لا سرقة و لا خيانة، قال سهيل: و أنك ترجع عامك هذا فلا تدخل مكة؛ و أنه إذا كان عام قابل خرج منها قريش فتدخلها بأصحابك فأقمت بها ثلاثة؛ أي ثلاثة أيام معك سلاح الراكب، السيوف في القرب و القوس لا تدخلها بغيرها.
و يقال إنه (صلى اللّه عليه و سلم) هو الذي كتب الكتاب بيده الشريفة، و هو ما وقع في البخاري أي أطلق اللّه يده (صلى اللّه عليه و سلم) بالكتابة في تلك الساعة خاصة وعد معجزة له.
قال بعضهم: لم يعتبره أي القول بذلك أهل العلم، و معنى كتب أمر بالكتابة.
و في النور: و في كون هذا أي أنه كتب بيده في البخاري فيه نظر، و الذي في البخاري: و أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الكتاب ليكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد الحديث، أي فلفظة بيده ليست في البخاري، و مع إسقاطها التأويل ممكن. و تمسك بظاهر قوله: فكتب أبو الوليد الباجي المالكي (رحمه اللّه) على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كتب بيده، فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه، بأن هذا مخالف للقرآن، فناظرهم و استظهر عليهم بأن هذا لا ينافي القرآن و هو قوله تعالى وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا