السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥٣ - سرية أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه لبني فزارة كما في صحيح مسلم بوادي القرى
أمير هذه السرية: أي التي أصابت أم قرفة أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه، و أنه الذي في مسلم.
و ذكر في الأصل قبل ذلك عن ابن إسحاق و ابن سعد أن أمير هذه السرية، أي التي أصابت أم قرفة زيد بن حارثة رضي اللّه تعالى عنهما، و أنه لقي بني فزارة و أصيب بها ناس من أصحابه، و انفلت زيد من بين القتلى: أي احتمل جريحا و به رمق، فلما قدم زيد رضي اللّه تعالى عنه نذر أن لا يمس رأسه غسل من الجنابة حتى يغزو بني فزارة، فلما عوفي أرسله (صلى اللّه عليه و سلم) إليهم، فكمنوا النهار و ساروا الليل حتى أحاطوا بهم، و كبروا و أخذوا أم قرفة و كانت أم قرفة في شرف من قومها، و كان يعلق في بيتها خمسون سيفا كلهم لها محرم، و كان لها اثنا عشر ولدا. و من ثم كانت العرب تضرب بها المثل في العزة، فتقول: لو كنت أعز من أم قرفة، فأمر زيد بن حارثة أن تقتل أم قرفة، أي لأنها كانت تسب النبي (صلى اللّه عليه و سلم).
و جاء أنها جهزت ثلاثين راكبا من ولدها و ولد ولدها و قالت لهم: اغزوا المدينة و اقتلوا محمدا، لكن قال بعضهم: إنه خبر منكر فربط برجليها حبلين ثم ربطا إلى بعيرين و زجرهما، أي و قيل إلى فرسين، فركضا فشقاها نصفين، و قرفة ولدها هذا الذي تكنى به قتله النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و بقية أولادها قتلوا مع أهل الردة في خلافة الصديق فلا خير فيها و لا في بنيها، ثم قدموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بابنة أم قرفة، و ذكر له (صلى اللّه عليه و سلم) جمالها، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لابن الأكوع: يا سلمة ما جارية أصبتها، قال: يا رسول اللّه جارية رجوت أن أفدي بها امرأة منا في بني فزارة: فأعاد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الكلام مرتين أو ثلاثا، فعرف سلمة أنه (صلى اللّه عليه و سلم) يريدها، فوهبها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لخاله حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بمكة، و كان أحد الأشراف، فولدت له عبد الرحمن بن حزن، و إنما قيل لحزن خاله لأن فاطمة أم أبي النبي (صلى اللّه عليه و سلم) هي بنت عائذ كما تقدم، و عائذ جد حزن لأبيه، و في لفظ بنت عمرو بن عائذ.
و في كلام السهيلي أن رواية الفداء لمن كان أسيرا بمكة أصح من رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) وهبها لخاله حزن.
و جمع الشمس الشامي بين الروايتين حيث قال: يحتمل أنهما سريتان اتفق لسلمة بن الأكوع فيهما ذلك، أي إحداهما لأبي بكر، و الأخرى لزيد بن حارثة، و يؤيد ذلك أن في سرية أبي بكر أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث ببنت أم قرفة إلى مكة ففدى بها أسرى كانوا في أيدي المشركين. أي و في سرية زيد وهبها لخاله حزن بمكة.
قال: و لم أر من تعرض لتحرير ذلك انتهى.
أقول: في هذا الجمع نظر، لأنه يقتضي أن أم قرفة تعددت، و أن كل واحدة كانت لها بنت جميلة، و أن سلمة بن الأكوع أسرهما، و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أخذهما منه، و في