السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٤٦ - سرية محمد بن سلمة إلى القرطاء
فعجب المسلمون. قال و قال: يا رسول اللّه إني خرجت معتمرا، و في لفظ في الصحيح: فإن خيلك أخذتني و أنا أريد العمرة فما ذا ترى؟ فأمره أن يعتمر، فلما قدم بطن مكة لبى، فكان أول من دخل مكة ملبيا، فأخذته قريش، فقالوا: لقد اجترأت علينا، أنت صبوت يا ثمامة. قال: أسلمت و تبعت خير دين محمد، و اللّه لا يصل إليكم حبة من حنطة: أي من اليمامة من أرض اليمن، و كانت ريفا لأهل مكة حتى يأذن فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقدموه ليضربوا عنقه، فقال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى اليمامة فخلوا سبيله، فخرج ثمامة إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا حتى أضرّ بهم الجوع، و أكلت قريش العلهز و هو الدم يخلط بأوبار الإبل فيشوى على النار كما تقدم، فكتبت قريش إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أ لست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين، فقد قتلت الآباء بالسيف و الأبناء بالجوع، إنك تأمر بصلة الرحم، و إنك قد قطعت أرحامنا. فكتب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى ثمامة رضي اللّه تعالى عنه أن يخلي بينهم و بين الحمل. و في لفظ: خلّ بين قومي و بين ميرتهم، ففعل، فأنزل اللّه تعالى: وَ لَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ [المؤمنون: الآية ٧٦] الآية.
هذا و الذي في الاستيعاب أن ثمامة لما دخل مكة و قد سمع المشركون خبره، فقالوا: يا ثمامة صبوت و تركت دين آبائك، قال: لا أدري ما تقولون، إلا أني أقسمت برب هذه البنية يعني الكعبة لا يصل إليكم من اليمامة شيء مما تنتفعون به حتى تتبعوا محمدا من آخركم، و كانت ميرة قريش و منافعهم من اليمامة، ثم خرج رضي اللّه تعالى عنه فمنع عنهم ما كان يأتي منها. فلما أضرّ بهم ذلك كتبوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أن عهدنا بك و أنت تأمر بصلة الرحم و تحث عليها و إن ثمامة قد قطع عنا ميرتنا و أضرّ بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يخلي بيننا و بين ميرتنا فافعل، فكتب إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أن خل بين قومي و بين ميرتهم.
و لما عجب المسلمون من أكله بعد إسلامه رضي اللّه تعالى عنه، لكونه دون أكله قبل إسلامه قال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): مم تعجبون؟ أمن رجل أكل أول النهار في معى كافر و أكل آخر النهار في معى مسلم، إن الكافر ليأكل في سبعة أمعاء، و إن المسلم يأكل في معى واحد اه.
أي و قد وقع له (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك مع جهجهاه الغفاري رضي اللّه تعالى عنه فإنه أكل مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هو كافر فأكثر، ثم أكل معه و قد أسلم فأقل، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «المؤمن يأكل في معى واحد، و الكافر يأكل في سبعة أمعاء» و لعل المراد بالأكل ما يشمل الشرب، ثم رأيت في الجامع الصغير: «إن الكافر ليشرب في سبعة أمعاء و المسلم يشرب في معى واحد» و المراد أنه يأكل و يشرب مثل الذي يأكل و يشرب في سبعة أمعاء.