السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٣٧ - سرية الرجيع
فانقلب وجهه عن القبلة: أي الكعبة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو قبلتك، فحول اللّه وجهه نحوها، فقال: الحمد للّه الذي جعل وجهي نحو قبلته التي رضي اللّه لنفسه و لنبيه عليه الصلاة و السلام و للمؤمنين، و دعا عليهم خبيب رضي اللّه تعالى عنه، فقال: اللهم احصهم عددا، و اقتلهم بددا، و لا تغادر منهم أحدا، قال معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنهما: فألقى أبو سفيان بنفسه إلى الأرض على جنبه خوفا من دعوة خبيب رضي اللّه تعالى عنه، لأنهم كانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زال عنه: أي لم تصبه تلك الدعوة.
و قد ولى عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه سعد بن عامر رضي اللّه تعالى عنه على بعض أجناد الشام، فقيل له إنه مصاب يلحقه غشي، فاستدعاه، فلما قدم عليه وجد معه مزودا و عكازا و قدحا، فقال له عمر رضي اللّه تعالى عنه: ليس معك إلا ما أرى، فقال له: و ما أكثر من هذا يا أمير المؤمنين؟ مزودي أضع فيه زادي، و عكازي أحمل به ذلك، و قدحي آكل فيه، فقال له عمر رضي اللّه تعالى عنه: أبك لمم؟ فقال: لا، فقال: فما غشية بلغني أنها تصيبك؟ فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما بي من بأس، و لكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قتل، و سمعت دعوته، فو اللّه ما خطرت على قلبي و أنا في مجلس قط إلا غشي علي فزاده ذلك عند عمر رضي اللّه تعالى عنهما خيرا، و وعظ عمر، فقال له: من يقدر على ذلك؟ فقال: أنت يا أمير المؤمنين، إنما هو أن يقال فتطاع، فقال له عمر رضي اللّه تعالى عنه: ارجع إلى عملك، فأبى، و ناشده الإعفاء، فأعفاه.
و كان خبيب رضي اللّه تعالى عنه هو الذي سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة، أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) بلغه ذلك عنه فاستحسنه فكان سنة، و هذا يدل على أن واقعة زيد بن حارثة رضي اللّه تعالى عنهما متأخرة عن قصة خبيب رضي اللّه تعالى عنه، لكن في النور: و المعروف أن زيد بن حارثة صلاهما قبل خبيب بزمن طويل.
و في الينبوع أن قصة زيد بن حارثة رضي اللّه تعالى عنهما كانت قبل الهجرة، أي و كان ابن سيرين (رحمه اللّه) إذا سئل عن الركعتين قبل القتل، قال: صلاهما خبيب رضي اللّه تعالى عنه و حجروهما فاضلان، و يعني بحجر: حجر بن عدي رضي اللّه تعالى عنه، فإن زيادا والي العراق من قبل معاوية رضي اللّه تعالى عنه وشى به إلى معاوية، فأمر معاوية بإحضاره، فلما قدم على معاوية، قال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال معاوية رضي اللّه تعالى عنه: أو أمير المؤمنين أنا اضربوا عنقه، فلما قدم للقتل قال: دعوني أصلي ركعتين، فصلاهما خفيفتين، ثم قال رضي اللّه تعالى عنه: لو لا أن تظنوا بي غير الذي بي لأطلتهما، ثم قتل هو و خمسة من أصحابه.
و لما حج معاوية رضي اللّه تعالى عنه و جاء المدينة زائرا استأذن على عائشة