السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٠ - سرية عبد اللّه بن جحش رضي اللّه تعالى عنه إلى بطن نخلة
أَنْفُسَكُمْ [التّوبة: الآية ٣٦] فتعظيم حرمتها باقية لم تنسخ، و إنما نسخ حرمة القتال فيها، خلافا لما نقل عن عطاء من أن حرمة القتال فيها باقية لم تنسخ.
و يدل للثاني ما في الكشاف و كان ذلك اليوم أول يوم من رجب و هم يظنون أنه من جمادى الآخرة، فتردد القوم و هابوا الإقدام، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، ثم أجمع رأيهم على قتل من لم يقدروا على أسره، أي و أخذ ما معهم فقتلوا عمرو بن الحضرمي، رماه واقد بن عبد اللّه بسهم فهو أول قتيل قتله المسلمون، و أسروا عثمان و الحكم فهما أول أسير أسره المسلمون، و أفلت بفتح الهمزة باقي القوم، أي و جاء الخبر لأهل مكة فلم يمكنهم الطلب لدخول شهر رجب، أي بناء على ما تقدم، و استاق عبد اللّه و أصحابه رضي اللّه عنهم العير حتى قدموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو أول غنيمة غنمها المسلمون فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، و أبى أن يستلم العير و الأسيرين، فسقط بالبناء للمجهول في أيديهم: أي ندموا و عنفهم إخوانهم من المسلمين، و قالت قريش: قد استحل محمد و أصحابه الشهر الحرام؟ سفكوا فيه الدم و أخذوا فيه الأموال، و أسروا فيه الرجال، أي و صارت قريش تعير بذلك من مكة من المسلمين، يقولون لهم: يا معشر الصباة قد استحللتم الشهر الحرام، و قاتلتم فيه، و زادوا في التشنيع و التعيير و صارت اليهود تتفاءل بذلك على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيقولون القتيل عمرو الحضرمي و القاتل واقد، فيه عمرت بفتح العين المهملة و كسر الميم الحرب: أي حضرت الحرب و وقدت الحرب، فكان ذلك الفأل عليهم لعنهم اللّه و ضاق الأمر على عبد اللّه و أصحابه رضي اللّه عنهم، فأنزل اللّه تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة: الآية ٢١٧] أي عظيم الوزر وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: الآية ٢١٧] أي و منع للناس عن دين اللّه وَ كُفْرٌ بِهِ [البقرة: الآية ٢١٧] أي باللّه وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: الآية ٢١٧] أي و منع للناس عن مكة وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ [البقرة: الآية ٢١٧] و همّ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و من معه من المؤمنين منه من أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: الآية ٢١٧] أعظم وزرا وَ الْفِتْنَةُ [البقرة: الآية ١٩١] الشرك: أي الذي أنتم عليه، أو حملكم من أسلم على الكفر بالتعذيب له أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:
الآية ٢١٧] لكم فيه: أي صدهم لكم عن المسجد الحرام، و كفرهم باللّه و إخراجكم من مكة و أنتم أهلها، و فتنة من أسلم بحيث يرتد عن الإسلام و يرجع إلى الكفر أكبر من قتل من قتلتم منهم، ففرج عن عبد اللّه و أصحابه رضي اللّه عنهم، أي و هذا كما ترى يدل على أنهم قتلوا مع علمهم بأن ذلك اليوم من رجب، و يضعف ما تقدم عن الكشاف الموافق لما أخرجه ابن جرير و ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن أصحاب محمد كانوا يظنون أن ذلك اليوم آخر جمادى، و كان أول رجب و لم يشعروا، أي لأن جمادى يجوز أن يكون ناقصا. و فيه أنه لو كان الأمر كذلك لاعتذر عبد اللّه و أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم بذلك.