السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٨ - سرية عبد اللّه بن جحش رضي اللّه تعالى عنه إلى بطن نخلة
العجم دخل إليه أهل مصر و قالوا له: أيها الأمير إذا كان أحد عشر ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبوابها و جعلنا عليها من الثياب و الحلي ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، أي ليجري، فقال لهم عمرو رضي اللّه تعالى عنه: إن هذا لا يكون في الإسلام، و إن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا مدة و النيل لا يجري لا قليلا و لا كثيرا حتى هم أهل مصر بالجلاء منها، فكتب عمرو بذلك إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، فكتب إليه كتابا و كتب بطاقة في داخل الكتاب، و قال في الكتاب: قد بعثت إليك بطاقة في داخل الكتاب فألقها في نيل مصر، فلما قدم الكتاب أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر. أما بعد: فإن كنت تجري من قبلك فلا تجري، و إن كان اللّه هو الذي يجريك فأسأل اللّه الواحد القهار أن يجريك فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم فأصبحوا و قد أجراه اللّه ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، فقطع اللّه تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم.
و كان أولئك النفر ثمانية: أي و قيل اثني عشر من المهاجرين. يعتقب كل اثنين منهم بعيرا منهم سعد بن أبي وقاص و عيينة بن غزوان، و كانا يعتقبان بعيرا، و منهم واقد بن عبد اللّه، و منهم عكاشة بن محصن، و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) عبد اللّه أن لا ينظر في ذلك الكتاب حتى يسير يومين، أي قبل مكة ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به و لا يستكره أحدا من أصحابه أي على السير معه. أي و قد عقد له (صلى اللّه عليه و سلم) راية.
قال ابن الجوزي: أول راية عقدت في الإسلام راية عبد اللّه بن جحش، أي بناء على أن الراية غير اللواء، و حينئذ تعارض القول بترادفهما و القول بأن اسم الراية إنما وجد في خيبر.
قال ابن الجوزي (رحمه اللّه): و هو أول أمير أمر في الإسلام. و فيه أنه مخالف لما سبق. إلا أن يريد أول من سمي أمير المؤمنين، فلما سار عبد اللّه يومين فتح الكتاب، فإذا فيه إذا نظرت في كتابي هذا فأت حتى تنزل نخلة بين مكة و الطائف، و لا تكره أحدا من أصحابك على السير معك، أي لفظ الكتاب: سر بسم اللّه و بركاته و لا تكرهن أحدا من أصحابك على السير معك، و امض لأمري حتى تأتي بطن نخلة فترصد عير قريش، و تعلم لنا أخبارهم، فلما قرأ الكتاب على أصحابه قالوا: نحن سامعون مطيعون للّه و لرسوله و لك، فسر على بركة اللّه تعالى، أي و جعل البخاري دفعه (صلى اللّه عليه و سلم) الكتاب لعبد اللّه ليقرأه و يعمل بما فيه دليلا على صحة الرواية بالمناولة، و هي أن الشيخ يدفع لتلميذه كتابا، و يأذن له أن يحدّث عنه بما فيه.
و ممن قال بصحة المناولة سيدنا مالك بن أنس رضي اللّه تعالى عنه. روى إسماعيل بن صالح عنه أنه أخرج لهم كتبا مشدودة و قال لهم: هذه كتبي صححتها