السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٣٤ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
يغتسل من جفنة فيها أثر العجين و فاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبا بأم هانئ، و في الرواية الأولى:
فلما اغتسل أخذ ثوبه و توشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم أقبل عليّ، فقال: مرحبا و أهلا بأم هانئ، ما جاء بك؟ فأخبرته الحديث، فقال: «أجرنا من أجرت، و أمنا من أمنت فلا نقتلهما» و في البخاري أيضا «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) اغتسل في بيتها ثم صلى الضحى ثمان ركعات» أي و لما ذكر ذلك لابن عباس رضي اللّه عنهما قال:
إني كنت أمر على هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ [ص: الآية ١٨] فأقول أيّ صلاة صلاة الإشراق؟ فهذه صلاة الإشراق. و في لفظ: ما عرفت صلاة الإشراق إلا الساعة، و هذا يدل لما أفتى به والد شيخنا الرملي (رحمهما اللّه) تعالى أن صلاة الضحى صلاة الإشراق، خلافا لما في العباب من أنها غيرها. و يحتاج للجمع بين هذه الرواية و التي قبلها على ثبوت صحتهما، و بهذه الواقعة قال المحاملي من أئمتنا في كتابه اللباب الذي هو أصل التنقيح الذي هو أصل التحرير: و من دخل مكة و أراد أن يصلي الضحى أول يوم اغتسل و صلاها كما فعله عليه الصلاة و السلام يوم فتح مكة. و به ألغز فقيل: شخص يستحب له الاغتسال لصلاة الضحى في مكان خاص.
و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ما رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى سبحة الضحى قط، و إني لأسبحها: أي أصليها.
و عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (رحمه اللّه): ما أخبرني أحد أنه رأى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يصلي الضحى إلا أم هانئ، و هذا ينازع فيه ما يأتي أن صلاة الضحى مما اختص بوجوبها (صلى اللّه عليه و سلم).
و أسلمت أم هانئ ذلك اليوم الذي هو يوم الفتح. أي و جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لها:
«هل عندك من طعام نأكله؟ قالت: ليس عندي إلا كسر يابسة و أنا أستحي أن أقدمها إليك، فقال: هلمي بهن، فكسرهن في ماء، و جاءت بملح فقال: هل من أدم، فقالت: ما عندي يا رسول اللّه إلا شيء من خل، فقال: هلميه، فصبه على الكسر و أكل منه، ثم حمد اللّه، ثم قال: نعم الأدم الخل. يا أم هانئ لا يقفر بيت فيه خل».
أي و قد جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) سأل أهله الإدام فقالوا: ما عندنا إلا الخل فدعا به، فجعل يأكل به و يقول: «نعم الأدم الخل» و في الحديث عن جابر رضي اللّه تعالى عنهما مرفوعا: «إن اللّه يوكل بآكل الخل ملكين يستغفران له حتى يفرغ» و جاء «نعم الأدم الخل، اللهم بارك في الخل، فإنه كان إدام الأنبياء قبلي، و لم يقفر بيت فيه خل».
و عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما قال: «أخذني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)