السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٢١ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
قال: و وجه (صلى اللّه عليه و سلم) اللوم على خالد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه. و قال له: لم قاتلت و قد نهيت عن القتال؟ قال: هم يا رسول اللّه بدءونا بالقتال و رمونا بالنبل، و وضعوا فينا السلاح، و قد كففت ما استطعت، و دعوتهم إلى الإسلام فأبوا، حتى إذا لم أجد بدا من أن أقاتلهم فظفرنا اللّه بهم فهربوا من كل وجه.
و في لفظ أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لرجل من الأنصار عنده: يا فلان، قال: لبيك يا رسول اللّه، قال: ائت خالد بن الوليد و قل له: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يأمرك أن لا تقتل بمكة أحدا، فجاء الأنصاري فقال: يا خالد إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يأمرك أن لا تقتل من لقيت من الناس، فاندفع خالد فقتل سبعين رجلا بمكة. فجاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رجل من قريش فقال: يا رسول اللّه هلكت قريش، لا قريش بعد اليوم. قال: و لم؟ قال: هذا خالد بن الوليد لا يلقى أحدا من الناس إلا قتله، قال: ادع لي خالدا، فدعاه له، فقال: يا خالد أ لم أرسل إليك أن لا تقتل أحدا؟ قال: بل أرسلت إن اقتل من قدرت عليه. قال (صلى اللّه عليه و سلم): ادع لي الأنصاري، فدعاه له، فقال: أ ما أمرتك أن تأمر خالدا أن لا يقتل أحدا، قال: بلى و لكنك أردت أمرا و أراد اللّه غيره، فسكت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يقل للأنصاري شيئا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): كف عن الطلب، قال: قد فعلت، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): قضى اللّه أمرا، ثم قال: كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر إلى صلاة العصر، و هي الساعة التي أحلت لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
أي و هذه المقاتلة التي وقعت لخالد رضي اللّه تعالى عنه لا تنافي كون مكة فتحت صالحا كما تقدم، أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة.
و أما قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن، و من ألقى سلاحه فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن، و من دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن» فهو من زيادة الاحتياط لهم في الأمان.
و قوله احصدوهم حصدا محمول على من أظهر من الكفار القتال و لم يقع قتال، و من ثم قتل خالد رضي اللّه تعالى عنه من قاتل من الكفار، و إرادة علي كرم وجهه قتل الرجلين اللذين أمنتهما أخته أم هانئ كما سيأتي لعله تأول فيهما شيئا أو جرى منهما قتال له و تأمين أم هانئ لهما من تأكيد الأمان الذي وقع للعموم، فلا حجة في كل ما ذكر على أن مكة فتحت عنوة كما قاله الجمهور.
و قيل أعلاها فتح صالحا: أي الذي سلكه أبو هريرة و الأنصار لعدم وجود المقاتلة فيه، و أسلفها الذي سلكه خالد رضي اللّه عنه فتح عنوة لوجود المقاتلة فيه كما تقدم.