البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٥٨٧ - القول في أرمينية
بيننا. فأجابه إلى ذلك و واعده إلى موضع سمّاه.
ثم التقيا فأقاما أياما. ثم إن أنوشروان أمر قائدا من قوّاده أن يختار ثلاثمائة رجل من أشدّاء أصحابه، فإذا هدأت العيون أغار في عسكر الخزر. فحرق و عقر و رجع إلى العسكر في خفاء ففعل.
فلما أصبح بعث إليه خاقان: ما هذا؟ بيّت عسكري البارحة؟
فبعث إليه أنوشروان: لم تؤت من قبلنا فابحث و انظر. ففعل، فلم يقف على شيء. ثم أمهله أياما و عاد لمثلها حتى فعل ثلاث مرات، و في كلها يعتذر و يسأله البحث فيبحث فلا يقف على شيء. فلما أثقل ذلك على خاقان، دعا قائدا من قواده و أمره بمثل ما أمر به أنوشروان. فلما فعل، أرسل إليه أنوشروان: ما هذا؟ استبيح عسكري الليلة و فعل بي و صنع. فأرسل إليه خاقان: ما أسرع ما ضجرت! قد فعل هذا بعسكري ثلاث مرات، و إنما فعل بك أنت مرة واحدة.
فبعث إليه أنوشروان: هذا عمل قوم يريدون أن يفسدوا فيما بيننا، و عندي رأي لو قبلته رأيت ما تحب. قال: و ما هو؟ قال: تدعني أن أبني حائطا بيني و بينك و أجعل عليه بابا فلا يدخل بلدك إلّا من تحب و لا يدخل بلدي إلّا من أحب. فأجابه إلى ذلك و انصرف خاقان إلى مملكته.
و أقام أنوشروان يبني الحائط بالصخر و الرصاص و جعل عرضه ثلاثمائة ذراع و علوّه حتى ألحقه برءوس الجبال ثم قاده في البحر. فيقال إنه نفخ الزقاق و بنى عليها فأقبلت تنزل و البناء يصعد حتى استقرت الزقاق على الأرض، ثم رفع البناء حتى استوى مع الذي على الأرض في عرضه و ارتفاعه. و جعل عليه بابا من حديد و وكل به مائة رجل يحرسونه بعد أن كان يحتاج إلى مائة ألف رجل. ثم نصب سريره على الفند الذي صنعه على البحر و سجد سرورا بما هيأه اللّه على يده ثم استلقى على ظهره و قال: الآن حين استرحت.
و وصف بعضهم هذا السدّ الذي بناه أنوشروان فقال: إنه جعل طرفا منه في البحر فأحكمه إلى حيث لا يتهيأ سلوكه. و هو مبني بالحجارة المنقورة المربعة