البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٥٤ - في أبنية البلدان و خواصها و عجائبها
فيا غافلا عن حينه أين من بنى* * * مدائن أضحت بعده اليوم مقفرة
رمت بهم الأيام في عرصة البلى* * * كأن لم يكونوا زينة الأرض مرة
و ما زال هذا الموت يغشى ديارهم* * * يكرّ عليهم كرّة بعد كرّة
فأجلاهم عنها سريعا فأصبحت* * * مساكنهم في الأرض لحدا و حفرة
و قرئ على باب قصر:
ما حال من قد عمل القصورا* * * و بات فيها آمنا مسرورا
ثم غدا في رمسه مقبورا* * * يقيم فيه أبدا مأسورا
حتى يرى من قبره محشورا* * * إمّا قرير العين أو مثبورا
و على آخر:
يا من يشيّد للخراب بناءه* * * شيّد بناءك في الثرى و تحصّن
و ذكر رجل من الصوفية أنه قرأ على باب قصر في بعض السواحل مكتوبا:
كم كان يعمر هذا القصر من ملك* * * سهل المحيّا كريم الخيم و النسب
دارت عليه المنايا في تقلّبها* * * فصار مأواه بعد العزّ في الترب
قال: و دخلت قصرا فرأيت قصرا حسنا كثير المجالس. فبينا أنا أدوره إذ دخلت مجلسا ما رأيت أحسن منه و فيه قبر عليه مكتوب:
و لمّا بنيت القصر أمّلت نفعه* * * و إنّي فيه باقيا آخر الدهر
فلما استوى و التام بوّأت كارها* * * من القصر في بيت هناك و في قبر
كذلك كان الدهر يفعل قبلنا* * * و لكن تجاهلنا و حدنا عن الأمر
قال: و رأيت في مجلس آخر مكتوبا:
جار الزمان علينا بعد غبطتنا* * * فلم يغادر لنا في القصر إنسانا
و صار مأوىّ لوحش الأرض تسكنه* * * أفناه ريب زمان ثم أفنانا