البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٥٥ - في أبنية البلدان و خواصها و عجائبها
و لو لم يفدك هذا الكتاب من الأخبار العجيبة و الأشعار الظريفة و الأمور الغريبة، لكان فيما يفيدك من أخبار البلدان و عجائب الكور و الأمصار بلاغا و مقنعا. فكيف و قد أفادك [١٠٩ أ] علم الماضين و أخبار الأولين. و ذلك علم المعنيين. و وقفك على الطريقين و أرشدك إلى الأمرين جميعا: حكمة بالغة و موعظة موجزة. تعرفت منه أخبار الماضين، و أبنية من قد سلف من الأولين.
و في هذا الخبر الذي أثبته هاهنا عبرة لمن اعتبر و فكرة لمن تفكر، و دليل على وحدانية اللّه تعالى، و مخبر عن آياته و قدرته. فصفّ ذهنك و فرّغ قلبك و أقبل عليه بسمعك و تفكّر فيه، و فيما تضمنته من الأعجوبة. فإن فيه عبرة لأولي الألباب.
قال عبد الرحمن بن محمد بن نصر: سمعت أحمد بن الحسن يذكر عن علي بن عاصم عن أبيه قال: كان الخضر (عليه السلام) يأتي شابا زاهدا من بني إسرائيل فيحدثه كما يأتي الرجل أخاه و صديقه. و كان الشاب خيّرا فاضلا. فبلغ ذلك ملك بني إسرائيل، فأرسل إلى الشام فدعاه و قال: بلغني أن الخضر يأتيك فيحدثك كما يحدث الرجل أخاه. قال الفتى: نعم. قال: فإذا جاء فائتني به.
قال: كيف آتيك به أيها الملك؟ قال: و الله لتأتيني به أو لأقتلنّك. قال: أجهد. ثم انصرف الفتى.
فلما كان بعد أيام، أتاه الخضر (عليه السلام) فقال له: إن ملك بني إسرائيل قال لي كذا و كذا. قال الخضر: انطلق بنا إليه. فانطلقا حتى دخلا عليه. فوقف الخضر فقال له الملك: أنت الخضر؟ قال: نعم. فأعظمه و بجله ثم قال له:
حدثني بأعجب ما رأيت في الدنيا. فقال: أعجب ما رأيت، أني مررت بمدينتك هذه، و هي مدينة لم أر على وجه الأرض مثلها حسنا و جمالا و كثرة أهل و أسواق و عمارة، فدنوت من بعض البوابين فقلت: متى بنيت هذه المدينة و من الذي بناها؟
فقال لي: ما يذكر أحد من الناس متى بنيت و لا من بناها. فتركته و مضيت.
و عبرت عنها خمسمائة عام. ثم اجتزت بها فإذا هي تلول و خرابات و لم أر أحدا أسأله عنها. فعلوت بعض تلك التلول، فإذا أنا براع يرعى غنما فنزلت إليه و سألته عن المدينة و متى خربت. فقال: ما نعلم أنه كانت هاهنا مدينة قط، و لا نعرف غير